من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٠ - أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين
وتمكينهم بالقدرة والآلات [١].
و يبدو لي أن معنى اللطيف أنه تعالى يدبر شؤون خلقه بدقة ويسر وتنوع حكيم إلى حد قد يسير الإنسان في تطبيقها بدوافع لا تبدو واضحة له، كما أشار القرآن إلى ذلك بقوله وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: ٣٤].
والكثير من الناس يخططون لأنفسهم، ولكنهم عند تطبيق ما رسموه يكتشفون عقبات جديدة لم يحتسبوها، بينما يأتيهم ما تمنوه سعيا من حيث لم يحتسبوا، مما يدل على أن ما يدبره الرب من شؤونهم أكبر بكثير مما خوَّل إليهم منها. وهذا من آيات لطف الله في تدبير الأمر، وإليه أشار الإمام علي عليه السلام
[عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ العَزَائِمِ وحَلِّ العُقُودِ ونَقْضِ الهِمَمِ] [٢].
ومن تدبر حياة الناس وجد الكثير ممن يتمنون مستقبلا معينا ينتهون إلى غيره، فالذي قدر أن يصبح مهندسا أضحى عالما بالدين أو تاجرا، لأن الله لم يجعل رزقه إلا في هذه المهنة أو تلك، فلماذا يختلف الناس إذن، ويشعلون نار الصراعات بينهم من أجل لقمة العيش التي يقدرها الله؟! يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وما دام الرزق مضمونا من عند الله فلماذا اكتساب الموبقات، وابتداع المذاهب الباطلة، والشرك بالله عبر تأييد السلطات الظالمة؟.
إن دوافع الشرك كثيرة، ولكن من أبرزها طلب الرزق، والحديث المأثور بالتالي يقص علينا حياة واحد من الذين أشركوا بربهم طلبا للرزق الحرام، وكانت نهايتهم السوأى، وفيه عبرة مؤثرة: قال الإمام الصادق عليه السلام
[كَانَ رَجُلٌ فِي الزَّمَنِ الأَوَّلِ طَلَبَ الدُّنْيَا مِنْ حَلَالٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وطَلَبَهَا مِنْ حَرَامٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا إِنَّكَ قَدْ طَلَبْتَ الدُّنْيَا مِنْ حَلَالٍ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهَا فَطَلَبْتَهَا مِنْ حَرَامٍ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهَا أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْ ءٍ تُكْثِرُ بِهِ دُنْيَاكَ وتُكْثِرُ بِهِ تَبَعَكَ فَقَالَ بَلَى قَالَ تَبْتَدِعُ دِيناً وتَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ فَفَعَلَ فَاسْتَجَابَ لَهُ النَّاسُ فَأَطَاعُوهُ فَأَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا ثُمَّ إِنَّهُ فَكَّرَ فَقَالَ مَا صَنَعْتُ ابْتَدَعْتُ دِيناً ودَعَوْتُ النَّاسَ إِلَيْهِ ومَا أَرَى لِي تَوْبَةً إِلَّا أَنْ آتِيَ مَنْ دَعَوْتُهُ فَأَرُدَّهُ عَنْهُ فَجَعَلَ يَأْتِي أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَجَابُوهُ فَيَقُولُ إِنَّ الَّذِي دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ بَاطِلٌ وإِنَّمَا ابْتَدَعْتُهُ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ كَذَبْتَ هُوَ الحَقُّ ولَكِنَّكَ شَكَكْتَ فِي دِينِكَ فَرَجَعْتَ عَنْهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمَدَ إِلَى سِلْسِلَةٍ فَوَتَدَ لَهَا وَتِداً ثُمَّ جَعَلَهَا فِي عُنُقِهِ وقَالَ لَا أَحُلُّهَا حَتَّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيَّ فَأَوْحَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَى نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قُلْ لِفُلَانٍ وعِزَّتِي وجَلَالِي لَوْ دَعَوْتَنِي حَتَّى تَنْقَطِعَ أَوْصَالُكَ مَا اسْتَجَبْتُ لَكَ حَتَّى تَرُدَّ مَنْ مَاتَ عَلَى مَا دَعَوْتَهُ إِلَيْهِ فَيَرْجِعَ عَنْهُ][٣].
[١] مجمع البيان: ج ٩ ص ٢٧.
[٢] نهج البلاغة: قصار الحكم: ٢٥٠.
[٣] بحار الأنوار: ج ٧٢، ص ٢١٩.