من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٣ - فاستقيموا إليه واستغفروه
حب المحسن إلينا، وشكر من أنعم علينا؟ أولا نريد المزيد من الرحمة؟ دعنا إذا نبادر إلى قبول رسالته التي تتسم بالرحمة.
[٣] التنوع والاختلاف سمة بارزة للمخلوقات، والعلم الحق هو الإحاطة بمعرفة خصائص الأشياء واختلافاتها ونسبة بعضها إلى البعض الآخر وحاجات الإنسان هي الأخرى شديدة التنوع وعظيمة الاختلاف، سواء منها النفسية أو الجسمية، ولكل شيء حد إذا تجاوزه بطل، وهكذا حاجات البشر ذات مقدار فإذا أسرف فيها أفسد، وإذا قتر أفسد، فنحن إذا بحاجة إلى خريطة مفصلة لوجود الكائنات ووجود الإنسان بينها، فأين نجدها؟ أوليس في كتاب ربنا الحكيم؟ بلى؛ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ إنه كتاب (ثابت)، و إنه مفصل قد أحكمت آياته وتشابهت وتناسقت، لا تجد فيها عوجا ولا ثغرة ولا اختلاف، وهذا بذاته شاهد على صدقه، فكل آياته تنبعث من التوحيد الخالص، وتدعو إلى الحق والعدل والجزاء. والكتاب قرآن عربي جاء بهذه اللغة الفريدة التي سمت على كل اللغات في إعرابها عن نوايا المتحدث بكل دقة وبلاغة. قُرْآناً عَرَبِيّاً وإنه لشرف عظيم لهذه اللغة وللناطقين بها عبر التاريخ أن وحي الله قد امتطى متنها، ولعلنا نستوحي من هذه الإشارة: أن شرف العروبة باللغة، ولذلك فكل من تحدث بها واعتنق المبادئ السامية التي جاء بها الذكر فهو عربي، وإنما تتفاوت عروبة الناس بمدى التزامهم بتلك المبادئ، وأكرم الناس جميعا أتقاهم. لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ القرآن كتاب علم ولا يبلغ آماده إلا العلماء، وإذا قصر عن وعيه إنسان فلنقص في معارفه .. وكلما تقدم علم البشرية اقتربوا من محتوى القرآن وعرفوا عظمته، إلا إن ركب الإنسانية يسير قدما نحو التكامل ويبقى القرآن أمامه أبدا، كالشمس ضوؤها قريب والوصول إليها مستحيل.
وهذا الاستفتاح يتناسب والحقائق العلمية التي تشير إليها هذه السورة لكي لا تنكر بعضها عندما نجهل أبعادها، فليس من خصائص الإنسان العاقل أن ينكر مالا يعرفه، بل يسعى من أجل معرفته.
[٤] والى جانب أنه كتاب علم، فهو كتاب حكمة، تنفذ بصائره في الفؤاد، وتستثير عقل الإنسان من سباته، وتنهض إرادته، وتشحذ عزائمه، وتربيه وتزكيه، كل ذلك بما يحتوي من بشارة وإنذار. بَشِيراً وَنَذِيراً ولا يدع الكتاب نافذة على القلب إلا وينفذ منها، ولا وترا حساسا إلا ويضرب عليه. إنه يرغبهم في ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة بألوان من الترغيب لا تكاد تحصى، كما وينذرهم بألوان من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. ولكن هل يعني ذلك أن القرآن يؤثر في كل الناس؟ إذا بطلت حكمة الابتلاء. ولا يصبح الناس جميعا على هدى. فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ لقد أعرضوا عن ذكرهم، ولم تشأ حكمة