من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥ - وقفوهم إنهم مسؤولون
اتبعوا رجالا ضالين. وهل ينتظر لمن اتبع ضالا أن يهتدي السبيل؟
فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ إن أبسط أحكام العقل وأوضحها هو ضرورة اتباع الهداة المهديين، وهؤلاء الذين يقلدون أو يتبعون الضالين يحتج عليهم ربهم بهذا الحكم الذي هداهم إليه العقل بوضوح شديد.
[٣٣] وردا على تبريرات هؤلاء وأولئك يؤكد القرآن بأن الظلم المشترك بين المستكبرين بجورهم، والمجتمع بسكوته وسلبيته، سوف يؤدي إلى المصير الواحد، والجزاء الجامع، وهذا بالضبط معنى المسؤولية. فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ولعل الآية الكريمة تشير إلى فكرة هامة، من شأنها- لو فهمها الإنسان، وتعمق فيها، وعمل بها- أن تزكي نفسه وتربيها على الإيمان، وهي أن يحمل كل فرد نفسه المسؤولية ويتهمها باستمرار، أنى كان دور الآخرين، وهذه من صفات المتقين الذين وصفهم إمامهم علي عليه السلام بقوله
(ولَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ القَلِيلَ ولَا يَسْتَكْثِرُونَ الكَثِيرَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ ومِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ورَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ واجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ واغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ) [١].
ونعرف دور هذه النظرة من المؤمن تجاه نفسه إذا عرفنا طبيعة النفس البشرية التي تعيش التبرير والأعذار وتسعى للفرار من ثقل المسؤولية، وبكلمة: لا بد أن نعرف بأن ذهاب الظالمين إلى النار، وتحملهم العذاب الأليم، لا يعني براءتنا، بل قد يكون دليلا على العاقبة الواحدة لهم ولنا، إن كنا ساكتين عنهم، راضين عن فعالهم.
[٣٤] وحتى لا يتصور الإنسان بأن هذا الحديث ينصرف إلى جماعة كانت في التأريخ الغابر بالذات، وأن الإشارة إليهم كانت بالضمير الغائب فَإِنَّهُمْ يلحق القرآن حديثه عنهم بتأكيد مستقل على أن هذا المصير يشمل كل مجرم، فعاقبة المجرم الذي يخالف سنن الله، ويتبع هوى النفس، و يعبد ذاته، ويلحق الأذى بغيره، العذاب الأليم إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ.
[٣٥] من هم هؤلاء المجرمون؟ وما هي صفاتهم؟ وكيف نتقي مصيرهم الأليم؟
ينساب السياق في بيان ذلك تمهيدا لبيان من يخالفهم وهم المتقون، لتكتمل الصورة لمن أراد النجاة، ويحق القول على الجاحدين. وأعظم ميزات المتقين التوحيد، كما أن الشرك بالله أخطر ذنوب المجرمين، الذين يرفضون التسليم للإله الواحد، ويتخذون الأنداد من دون الله. إن رفض السلطات الفاسدة، والأنظمة المنحرفة، والتقليد الأعمى لرجال ضالين، الشرط
[١] نهج البلاغة: خطبة ١٩٣:.