من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧ - وقفوهم إنهم مسؤولون
الإحباط أو اليأس حينما يصطدمون بالرفض في بادئ الأمر. فالأنظمة الطاغوتية وحتى بعض الناس سوف لا يكتفون برفض دعوتهم، بل سوف يثيرون الشبهات حول أشخاصهم.
[٣٧] ويجب على الرساليين أن يقيموا مسيرتهم على مقياس الحق، وهو القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه واله وأهل بيته عليهم السلام، ليزدادوا ثقة برسالتهم، وليعرفوا أخطاءهم حتى لا يعتبروا موقف الناس والأنظمة مقياسا لمعرفة الحق، لأن الناس بجهلهم وسلبيتهم النفسية، والأنظمة بعدائها، سوف يثيرون زوابع من الشتائم والدعايات المغرضة ضدهم. بَلْ جَاءَ بِالْحَقِ والحق يدل بذاته على ذاته، فإن لكل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا. وفرق واضح بين الحق الذي يدعو إليه النبي والشعر الذي لا يدعو إلى شيء، وليس سوى إثارة الخيال، وترديد الأفكار الشائعة، وتمجيد العادات الجاهلية. ولأن مقياس الجاهليين لم يكن الحق إنما التراث والواقع القديم لم يجدوا التقاء ولا انطباقا بين ما عندهم وبين الرسالة الإلهية. وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ وعادة يدعي أصحاب الباطل أنهم ينتمون إلى الرسالات الأولى، وإنما ينتمون إلى أهوائهم، والقرآن يردهم بأن النبي يصدق المرسلين، فرسالته ليست سوى تجديد لتلك الرسالات، ولو صدقوا في انتماءهم إليها لآمنوا بهذه أيضا.
وبالتدبر في الآيتين (٣٥- ٣٦) يمكننا القول بأن هناك سببين رئيسيين وراء كفر هؤلاء بالرسالة، هما الاستكبار على الحق، والمقاييس الخاطئة لمعرفته.
[٣٨] وفي نهاية الدرس يؤكد الله للكفار والمشركين (المجرمين) أنهم سوف يذوقون العذاب. إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ والآية تشير إلى أن الله يحشر المجرمين في تمام وعيهم وإحساسهم المادي والمعنوي، من أجل تذوق العذاب بأعمق ما يمكن للإنسان.
[٣٩] وإلى جانب هذا التأكيد على العذاب، نجد تأكيدا آخر على العدالة الإلهية، وأن الجزاء بقدر أعمال البشر بل هو ذات أعمالهم. وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ والآية تعمق وتؤكد في نفس الإنسان مسؤوليته التامة عن كل ما يصدر عنه، من قول وعمل وسلوك. قال الرسول صلى الله عليه واله
(لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فِيهَا قِيعَاناً ورَأَيْتُ فِيهَا مَلَائِكَةً يَبْنُونَ لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ ولَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ ورُبَّمَا أَمْسَكُوا فَقُلْتُ لَهُمْ مَا لَكُمْ قَدْ أَمْسَكْتُمْ قَالُوا حَتَّى تَجِيئَنَا النَّفَقَةُ فَقُلْتُ ومَا نَفَقَتُكُمْ قَالُوا قَوْلُ المُؤْمِنِ سُبْحَانَ اللهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكْبَرُ فَإِذَا قَالَ بَنَيْنَا وإِذَا سَكَتَ أَمْسَكْنَا)
[١] والذي يشعر بهذه الحقيقة- أن مستقبله رهين عمله- سوف يسعى جهده لتصحيحه وإتقانه وبنائه وفق ما يريده الله سبحانه.
[١] وسائل الشيعة: ج ٧ ص ١٨٨.