من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٢ - ألا لله الدين الخالص
يكن طوعا فكرها. ومن هنا تتبلور فكرة الشفاعة الحق وهي أن عباد الله المكرمين يدعون الله ليغفر لبعض المذنبين فإن شاء غفر، وإن شاء عذب، وقد قال الله في حق بعض المنافقين سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المنافقون: ٦]. وقال تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: ٨٠].
ولكن الرسول وأولي الأمر من بعده يملكهم الله الشفاعة في الدنيا والآخرة، فيغفر لمن يشاء كيف يشاء، ويعذب من يشاء كيف يشاء، ومغفرة الله بواسطة الرسول صلى الله عليه واله ممكنة ولكن حسب مقاييس محدودة، فلا يملك الرسول صلى الله عليه واله للمذنبين المصرين، أو الكفار شيئا، ويوجز الله في آية من الآيات فكرة الشفاعة فيقول وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء: ٦٤].
[٥] وقد سبق في الآية الثالثة أن فسرنا قوله أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: ٣]. فقلنا بأنها تشير إلى السنن التي تحكم في الخليقة بتدبير الله وهيمنته وإرادته، ويوضح الله ذلك بقوله خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِ ويبدو أنه سبحانه بعد نفي العقائد التي يتشبث بها المشركون، ونفي كون الولد له، وأنه لا أحد من الشركاء يقربهم إليه أخذ يذكرنا بنفسه ذلك أن معرفة الله حقا كفيلة بنفي العقائد الباطلة وإزالة الأوهام البشرية التي هي وليدة الجهل بالخالق. ولعل الإشارة إلى بِالْحَقِ هنا لبيان أن تمنيات القوم بالشفاعة الباطلة سراب، لأن أساس الخلق هو الحق، وإنه لا أحد يبلغ الثواب والكمال بالتمني والتظني أو الشفاعة الباطلة بل بالحق والحق وحده.
ودليل أحدية الرب وقاهريته وأنه خلق السماوات والأرض بالحق ما نراه من اختلاف الليل والنهار. يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وتكوير هذا يتم بزيادته على حساب ذاك وبالعكس، فالله قد قهر السماوات والأرض بحركتهما الدقيقة التي لا يستطيعان مقاومتها قيد شعرة، ثم إنهما يجريان بنظام دقيق مما يهدينا إلى أنه جعل كل شيء بالحق. وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مما يهدينا إلى أنه القاهر. كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى وكما أن الله خلق الشمس والقمر، وسخرهما بقدرته، كذلك فإن انتهاءهما بيده، وربما توصل العلماء إلى العمر التقريبي للشمس والقمر بمقدار ما يعطيان من طاقة من النور والحركة. أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ فبعزته أقام النظم في كل شيء، وألزم الشمس والقمر والنجوم أفلاكها، وسخرها لما