من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٣ - إن الله يغفر الذنوب جميعا
فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ نَحْوَ هَذَا وهُوَ يَبْكِي ويَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ السِّبَاعُ وصَفَّتْ فَوْقَهُ الطَّيْرُ وهُمْ يَبْكُونَ لِبُكَائِهِ فَدَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه واله فَأَطْلَقَ يَدَيْهِ مِنْ عُنُقِهِ ونَفَضَ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ وقَالَ صلى الله عليه واله
يَا بُهْلُولُ أَبْشِرْ فَإِنَّكَ عَتِيقُ اللهِ مِنَ النَّارِ.
ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه واله لِأَصْحَابِهِ
هَكَذَا تَدَارَكُوا الذُّنُوبَ كَمَا تَدَارَكَهَا بُهْلُولٌ
ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ وبَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ) [١].
ونتساءل: بعد هذا هل يصح لنا أن نغلق باب رحمة الله عن أنفسنا باليأس؟!.
[٥٤] وبعد أن فتح الله للمذنبين بابا من رحمته الواسعة، وهو باب الرجاء، يفتح لهم بابا آخر، هو باب التوبة والعودة إليه. وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ بترك الشركاء المزعومين من دونه، لأنه وحده الرب الحقيقي للخلق. وَأَسْلِمُوا لَهُ بالخضوع والطاعة، لأن رضى الله وأمره ونهيه هو الذي ينبغي له أن يؤثر في شخصية الإنسان، أما العوامل الأخرى كالمال والسلطة، وما يسمى بالحتميات فيجب تجاوزها كلها، وتلك الإنابة وهذا التسليم يجب أن يكونا عن وعي تام بضرورتهما لا بسبب شخوص العذاب الإلهي لأنهما حينئذ لا ينفعان. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ حيث لا تقدر الآلهة المزيفة على رد عذاب الله عنكم.
[٥٥] وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وقد اختلف المفسرون كثيرا في معنى الأحسن، فقال بعضهم: إن الأحسن هو الناسخ، لقوله تعالى في سورة البقرة مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة: ١٠٦]، وقال ابن عباس
(أَيْ مِنَ الحَلَالِ وَالحَرامِ، والأَمْرِ والنَّهْيِ، وَالوَعْدِ وَالوَعِيدِ، فَمَنْ أَتَى بالمأَموُرِ بِهِ، وَتَركَ المُنْهِيِّ عَنهُ، فَقَدْ اتَّبعَ الأَحْسَنَ) [٢].
وما يبدو لي هو أن الآية تحتمل ثلاثة معاني كلها مهمة
الأول: هو معرفة الواجبات وتطبيقها على أفضل وجه، لقوله تعالى الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك: ٢].
ولتقريب الفكرة نقول: إن الإنسان الذي يمرض شخص عزيز عليه مرضا خطيرا، فإنه لن يبحث عن أي طبيب لعلاجه، إنما سيبحث عن أفضل طبيب ممكن طمعا في حصول الشفاء بأسرع وقت وأفضل صورة، والإنسان في حياته العامة يواجه خطرا مصيريا هو النار، وينبغي له لكي يخلص نفسه من شرها أن يتعرف على الواجبات والمستحبات ويؤديها على أفضل وجه، وكيف لا وقد ورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله
(هَلَكَ العَامِلُونَ إِلَّا العَابِدُونَ وهَلَكَ العَابِدُونَ إِلَّا العَالِمُونَ وهَلَكَ
[١] مستدرك الوسائل: ج ١١ ص ٣٦٣.
[٢] مجمع البيان: ج ٨ ص ٦٤٨.