من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٦ - قالوا ربنا الله ثم استقاموا
خير عظيم حظي به فهو يحمد الله أبدا على هذا التوفيق، فلا يطلب على دعوته أجرا من الناس أو شكرا، وإذا واجه إعراضا أو كفورا لا يلويه ذلك عن سبيل الدعوة، لأن دعوته مدفوعة الثمن سلفا من عند ربه. ثم إن دعوته ليست مجردة عن سلوكه. إنه يسارع إلى تنفيذ شرائع الله، والعمل الصالح، والتسليم للقيادة الشرعية، والرضا بها، مما يشهد بصدقه في دعوته، كما يشهد على صدق دعوته، فمن دعا إلى الله حقا فقد عرف ربه، ومن عرف ربه صلحت أفعاله، ولم يطلب علوا في الأرض ولا فسادا، بل سلم الأمر لله ولأولى الناس برسول الله.
وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ فهو أول من يسلم وجهه لربه، ويعلن عن ذلك، ويتحدى بدعوته الطغاة والجبابرة، كما ويجابه بها شيطان نفسه النزاعة إلى الرئاسة والسلطة. وهكذا تبصِّرنا الآية- بكلمات وجيزة بليغة- بشواهد الصدق في الدعاة، وكيف أنهم الأحسن قولا، والأسبق إلى تهذيب النفس من شوائب الهوى في الدعوة، وتهذيب أسلوب الدعوة من الرعونة و الخشونة والكلمات النابية .. إن من الناس من يدعو إلى الله، ويختار وسيلة معينة لهذه الدعوة، مثلا ينتمي إلى جماعة رسالية ناشطة، أو ينخرط في سلك العلماء والخطباء، أو يصدر صحيفة، أو يفتح دارا للنشر وهكذا .. ويقف الشيطان له بالمرصاد فيضله عن السبيل فيحرف اهتمامه من الله إلى تلك الوسيلة التي اختارها، فإذا به يجعل تنظيمه أو جماعته أو مؤسسته محور دعوته، ويصارع من أجلها سائر الدعاة إلى الله، و بدل أن يذوب نفسه في بوتقة الدعوة تراه يذوب دعوته في بوتقة نفسه، ويضل ضلالا بعيدا.
ولعل خاتمة الآية تعالج هذه الحالة، إذ الإسلام هو التسليم، والتسليم يتنافى والصراعات المصلحية عند الدعاة يقول أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام
[لَأَنْسُبَنَّ الإِسْلَامَ نِسْبَةً لَا يَنْسُبُهُ أَحَدٌ قَبْلِي وَ لَا يَنْسُبُهُ أَحَدٌ بَعْدِي إِلَّا بِمِثْلِ ذَلِكَ إِنَّ الإِسْلَامَ هُوَ التَّسْلِيمُ وَ التَّسْلِيمَ هُوَ اليَقِينُ وَ اليَقِينَ هُوَ التَّصْدِيقُ وَ التَّصْدِيقَ هُوَ الإِقْرَارُ وَ الإِقْرَارَ هُوَ العَمَلُ ...] [١].
[٣٤] الذي يدعو إلى الله يختار أحسن القول، فما هو الأحسن؟ هناك الحسنة والسيئة والفارق بينهما كبير، ولكن للحسنة درجات متصاعدة، كما أن للسيئة دركات متسافلة، والداعي إلى الله يختار الأحسن بين درجات الحسنة .. وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ قال الشيخ الطبرسي: والمعنى: (أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فلا تستوي الأعمال الحسنة والأعمال السيئة، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان) [٢].
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وحسب هذا التفسير، معناه: اختر من الحسنات أفضلها،
[١] الكافي: ج ٢، ص ٤٥.
[٢] جوامع الجامع: ج ٢ ص ٤٨٢.