من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٩ - الله نزل أحسن الحديث
بيت ويزعم بألا أحد يمكث فيه معه، فيفعل فيه ما يشاء، ويتحلل من كل التزام، وأما الحالة الأخرى فهي الخروج من زنزانة الذات إلى رحاب الحقيقة، حيث يعيش في عالم واقعي يعترف بوجوده، ويسعى للتعرف إليه و التكيف معه. إن مثل صاحبها كمن يدخل بلدا ويعلم أن فيه أناسا لا بد أن يعايشهم، وأن لهم قوانين لا بد من الالتزام بها، وهكذا لا يضيق ذرعا إذا تعرف إليهم وعرف حقوقهم، بل إنه يستقبلهم بترحاب، و يخضع لنظامهم بلا تردد.
وإذا كانت الحالة الأولى تعكس الجمود والتخلف والجهل والفوضى، فإن الحالة الأخرى هي ذروة النشاط والرقي والعلم والالتزام. فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ الله الذي وسعت كل شيء آيات رحمته وقدرته وعظمته، مع ذلك ترى قلوبهم قاسية من ذكره، فكيف سائر حقائق الخلق؟ أرأيت من عمي عن ضوء الشمس هل يرى شمعة؟! كذلك حين قسا القلب عن ذكر الله فلا يرجى أن ينشرح لمعرفة شيء. أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يحيط بهم الضلال المبين كما يحيط بأولئك نور الله.
[٢٣] من أبرز معالم شرح الصدر استقبال نور الله في القرآن، فلقد أنزل الله أحسن الحديث، اختصر الجمال والروعة والبلاغة والعلم والهدى والنور، وتجلى فيه الرب حتى رأت فيه قلوب المؤمنين جمال ربهم كما رأت أعينهم جمال صنعه. اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ إنه مرآة تعكس روعة الخلق وجمال الخالق وأحسن الخلق وأنبل الأعمال .. كِتَاباً منتظما في وحدة متماسكة، مجموعا إلى بعضه بتماسك لا ثغرة فيه ولا فطور، ولا تناقض ولا اختلاف مُتَشَابِهاً بعضه يشهد على بعضه ويفسره ويبينه، وفي الوقت ذاته لا يرقى إلى كنه فهمه عقل، ولا ينفذ في غور علمه أحد، وكلما تلوت آياته استفدت علما جديدا وهدى طارفا، وما أوتيت من علم فهو بالنسبة إليك محكم، ولكن يبقى ما لم تؤت من علم كالمحيط الواسع لا تتناهى عجائبه ولا تنقضي غرائبه. مَثَانِيَ فنجد فيه
أولًا: مفارقات بين الخالق والمخلوق، بين الحق والباطل، بين المحسن والمسيء، كما يذكرنا بالمفارقات الظاهرة بين النور والظلام، بين الظل والحرور، وبين الحرية والعبودية، و. و. ولعل سورة الزمر قد بلغت الذروة في هذا التميز، بالذات بين الناس حيث تجلت فيها صفة (الفرقان) في معرفة الصالحين وتزيلهم عمن سواهم.
ثانياً: مقارنات بين أزواج الطبيعة، بين الذكر والأنثى، بين السماء والأرض، البر والبحر، الإنسان والحيوان، الزيتون والأعناب، الفاكهة والأب وهكذا.
ثالثاً: شواهد وأمثلة، فما من حقيقة يذكر بها كتاب ربنا إلا وتتثنى بتفسيرها ودليلها ومثالها، فما تتلو فيه من آية حتى تجد في السياق عادة أو في موقع آخر تبيانا لها، فإذا ذكرت