من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٨ - الله نزل أحسن الحديث
وهنا نجد السياق في ذات الوقت الذي يتابع الحديث عن فوارق النمطين من الناس: فهناك من شرح الله صدره للإسلام، وهناك من قسا قلبه من ذكر الله، ويتقي بوجهه سوء العذاب، ويكذب بالله ليلقى جزاءه خزيا في الدنيا، في الوقت ذاته يبين خصائص القرآن وكيف تتلقاه النفوس الطيبة، وكيف يضرب الله فيه من كل مثل للناس لعلهم يتذكرون.
بينات من الآيات
[٢٢] ما هي المعرفة، وكيف يتخلص البشر من رواسب الجهل، ولماذا نجد البعض يرتفعون إلى أعلى درجات الإيمان بينما يهبط الآخرون إلى الحضيض في الكفر؟.
للقرآن بصيرة واضحة في المعرفة تتلخص في أن محل العلم القلب، فإذا كان منشرحا ازداد معرفة و إيمانا، بينما القلب القاسي لا يتسع للمعرفة. أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ
ما هو الصدر المنشرح بالإسلام؟.
الإسلام هو التسليم لله لسنن الله لشرائع الله وللحق أنى كان، فإذا شرح الله الصدر خشع له ولان لكلمات الله ووسعها كما تخشع الأرض الطيبة لماء السماء، كما تلين التربة الصالحة لنبتة مباركة، كما تستقبل الزهور النسيم العليل، بينما القلب القاسي كالصخرة الصماء لا يتسع لمعارف الحق، ولا يهتز لوابل السماء، ولا ينبت زهرة، ولا يستقبل نسمة. هكذا أوصى نبينا الأكرم ابن مسعود فقال صلى الله عليه واله له
(يَا ابْنَ مَسْعُودٍ
أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
فَإِنَّ النُّورَ إِذَا وَقَعَ فِي القَلْبِ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ.
فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ؟ قَالَ صلى الله عليه واله
نَعَمْ، التَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ وَالإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الخُلُودِ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الفَوْتِ، فَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا قَصُرَ أَمَلُهُ فِيهَا وَتَرَكَهَا لِأَهْلِهَا) [١].
فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فبالنور الرباني يتصل صدر الإنسان بعالم الحقائق، فيتسع لها، وينشرح بها، ونور الله هو العقل المستضيء بالوحي، ولعل التعبير ب عَلَى للإيحاء بأن المؤمن ماض على صراط مستنير، كقوله سبحانه أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ٥]. ويمكن أن نستوحي من الآية أن للقلب حالتين: فهو ينغلق على ذاته فلا يرى إلا نفسه فيعيش فقط ضمن مصالحها وتمنياتها وأوهامها، ويريد العالم المحيط لذاته، فيكون قاسيا ومع الهوى متقلبا، وبالرين والطبع متلبسا، لا يعترف بقانون، ولا يؤمن بسنَّة، ويكون مثله من يعيش في
[١] بحار الأنوار: ج ٧٤ ص ٩٣.