من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٥ - وقال ربكم ادعوني أستجب لكم
ذوي الطول والسلطان، وإلى متى؟، وأكثر من هؤلاء جميعا، أولئك الذين يتحصنون بالتقاة، ويعيشون داخل الكيان الطاغوتي، حيث يتعرضون لعمليات غسل الدماغ المستمرة، وترتبط مصالحهم ورغباتهم ومجمل وشائج حياتهم بعجلة النظام، وفي الوقت ذاته يكتمون إيمانهم، وتكاد صدورهم تتفجر ضيقا بالأسرار التي يحملونها، فما الذي ينقذهم من هذا الوضع؟ وأي وقود إيماني يمدهم بطاقة الاستمرار وقدرة الاستقامة .. حيث لا صلة بالقيادة، ولا تفاعل مع المجتمع الإيماني، ولا مجالس للذكر تجدد الروح، ولا برامج اجتماعية، ولا مصالح مشتركة مع المؤمنين؟
لقد فتح الله لهؤلاء وأولئك جميعا باب الدعاء حيث تتصل قلوبهم بنور ربهم مباشرة، وينهلون من نبع التوحيد الأصفى ما يمدهم بالرجاء والثقة والاستقامة فقال ربنا وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ما هو هذا الدعاء؟ قال المفسرون: إنه طلب الحاجة من الله، وتفرد ابن عباس بتفسير آخر حيث قال أنه توحيد الله، ويبدو لي أن ابن عباس [١] التقط إشارة خفية من الآية حيث أرهف سمعه إلى ضمير ادْعُونِي وعرف أن المعنى لا تدعو من دوني أحدا، وحقا، إن الإنسان إما أن يدعو ربه أو يدعو الأنداد .. والله يأمرنا بدعوته دون الأنداد، وسوف نرى- إن شاء الله- كيف أن الدعاء أسمى درجات التوحيد.
وعندما وعد ربنا الاستجابة فإن ذلك يكون شرطا ضمنيا بأن يكون الدعاء خالصا لله، كما قال سبحانه وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: ١٨٦]. ولعل في كلمة إِذَا دَعَانِ إشارة إلى هذه الحقيقة، كما نجد تصريحا بذلك في قوله فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي.
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ لماذا عُدَّ الدعاء عبادة؟ و لماذا أوعد الله على تركه النار؟ لكي نعرف الإجابة: دعنا نتساءل: ماذا كان محور الخلاف الأصلي بين الموحدين والمشركين، هل كان في وجود الله؟ كلا، هل كان في أسماء الله التي تتعلق حسب المصطلح بذاته سبحانه؟ كلا، بل إن المشركين كانوا يعترفون بالله هو الخالق، وقد قال ربنا وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٩].
إنما جوهر الخلاف ومحوره الأصيل في كلمة: إن الموحدين يقولون: إن الله هو المهيمن
[١] مجمع البيان: ج ٨، ص ٨٢٣.