من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٠ - أم نجعل المتقين كالفجار
عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ وهي الخيول المروضة من أجودها، وكانت يستعرضها سليمان كلما أراد الجهاد.
[٣٢] وفي ذات يوم استعرضها وربما لكثرتها بقي معها طويلا حتى كادت أن تغيب الشمس وفاتته فضيلة صلاة العصر، ولم يكن حينها وهو يعدُّ العدة للجهاد مشغولا بأمر من أمور الدنيا، ومع ذلك استغفر ربه وعده تقصيرا يستوجب التوبة. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ وكونه سلطانا لم يمنعه من الاعتراف بالخطأ، ولو كان بمقدار ترك الأولى بسبب عمل خير آخر يحبه الله. فالمعنى شغلني الجهاد عن الصلاة، والاثنان واجبان، إلا أن الصلاة أفضل، وهل يجاهد المؤمنون إلا لإقامتها؟
[٣٣] ولما توجه سليمان عليه السلام إلى فوات الوقت الفضيل للصلاة، استراح عن الجهاد فقضى صلاته، ثم عاد ثانية، فقال رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ يعني جياد الخيل، لكي يستمر في تفقد الجيش. فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ وكان المسح على أعناق الخيل وسيقانها عند أهل الخبرة طريقا لمعرفة الجيد منها، وكان سليمان عليه السلام بعد إجراء هذه يقسمها على أفراد جيشه مما يدل على اهتمامه به.
قال ابن عباس: (سَأَلْتُ عَلِيّاً عليه السلام عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ
: مَا بَلَغَكَ فِيهَا يَا بْنَ عَبَّاسٍ؟
فَقُلْتُ: سَمِعْتُ كَعْباً يَقُولُ: اشْتَغَلَ سُلَيْمَانُ بِعَرْضِ الأَفْرَاسِ حَتَّى فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَقَالَ رُدُّوها عَلَيَّ يَعْنِي الأَفْرَاسَ وَكَانَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَأَمَرَ بِضَرْبِ سُوقِهَا وَأَعْنَاقِهَا بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهَا فَسَلَبَهُ اللهُ مُلْكَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْماً لِأَنَّهُ ظَلَمَ الخَيْلَ بِقَتْلِهَا. فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام
كَذَبَ كَعْبٌ لَكِنِ اشْتَغَلَ سُلَيْمَانُ بِعَرْضِ الأَفْرَاسِ ذَاتَ يَوْمٍ لِأَنَّهُ أَرَادَ جِهَادَ العَدُوِّ
حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ
فَقَالَ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالشَّمْسِ
رُدُّوهَا عَلَيَ
فَرُدَّتْ فَصَلَّى العَصْرَ فِي وَقْتِهَا، وَإِنَّ أَنْبِيَاءَ اللهِ لَا يَظْلِمُونَ وَلَا يَأْمُرُونَ بِالظُّلْمِ لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ) [١].
[٣٤] ثم إن القرآن يحدثنا عن الفتنة التي تعرض لها سليمان عليه السلام، فقد تمنى على الله أن يكون له ولد يرثه كما ورث داود عليه السلام لكن الله لم يستجب له إنما أسقط على كرسيه جسدا ميتا أجهضته امرأته. وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً كناية عن الابن الميت، وكان يتمنى أن يجلس على كرسيه ولد يحكم بعده، فتأثر بعض الشيء لذلك، ولكنه فكر في نفسه ورجع إلى ربه. ثُمَّ أَنَابَ.
[٣٥] وقد عَدَّ موقفه هذا- وهو النبي- زللا، وأن هذه فتنة عليه أن يتجاوزها بالدعاء
[١] بحار الأنوار: ج ١٤ ص ١٠٣.