من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠١ - أم نجعل المتقين كالفجار
والاستعانة بالله، لأنه علم أن عدم تحقيق الله لأمنياته يدل على أن ذلك ليس من المصلحة أبدا. قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي أن تمنيت عليك مالا يتفق مع حكمتك لأن علمي قاصر عن إدراك ذلك ثم طلب من الله شيئا آخر غَيَّر من خلاله أمنيته، قال وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ وفي هذه الآية الكريمة تتبيَّن آداب الدعاء عند الأنبياء عليهم السلام.
ففي البداية يجب أن يعرف العبد بأن ما سيطلبه من الله ليس حقا له على الله استوجبه بعمله أو عبادته، إنما هو هبة يعطيها له الرب من عنده تفضلا إن شاء أو يمنعها، وبالإضافة إلى تناسب هذا الأدب ومقام الربوبية، فإنه يعطي المؤمن مناعة ضد ردود الفعل المحتملة لو لم يستجب له. ثم إن الطلب يجب أن يكون عظيما وكبيرا، وينبغي للإنسان أن يطلب من ربه وهو القادر العزيز الكريم مطالب جسيمة، فيخرج من نظرته البشرية المحدودة التي تفرض عليه آمالا محدودة، ويدعو الله انطلاقا من معرفته بصفاته وأسمائه الحسنى. فهذا سليمان عليه السلام يدعو الله أن يهبه ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعده.
ويستوحى من السياق أن سليمان عليه السلام طلب من الله بديلا عن الأولاد الذين حرم منهم، بأن يختصه برحمة إلهية خاصة لتمضي الأجيال تذكره به، أو ليس الإنسان يستمر بعقبه وبما اختص به. فسأل الله من الملك ما لم يعط أحدا ولا ينبغي لأحد، وفعلا خصه الله بتسخير الجن والريح والطير له، كما تقرر الآيات التالية، وبالاسم الأعظم حسبما نقرأ في آيات أخرى [١].
ولكن ليس الملك لذات الملك وللذة الحياة الدنيا، إنما أراد من خلال الملك والسلطان أن يقيم حكومة الله في الأرض، ليقضي على واقع الشرك السياسي والاجتماعي وغيرهما، وينصر المؤمنين ويهدي المستضعفين إلى الحق، وأي طموح أعظم من هذا الطموح؟!.
إن سليمان كان يعرف أنه نبي ويسير على الحق، لهذا سأل الله الملك والقوة لتحقيق أهداف رسالته. و من يطلع على حياته يجدها جهادا من أجل إعلاء كلمة الله، ولعل الإشارة إلى الجياد في هذه السورة المباركة تهدينا إلى هذه الحقيقة. وفي سورة النمل حيث انتهت القصة بإسلام بلقيس وقومها صورة من حياته المليئة بالجهاد.
الثالث من آداب الدعاء: أن ينتهي بالثناء والحمد لله وذلك بذكر أسمائه الحسنى وفي مقدمها اسم الْوَهَّابُ الذي ذكره أكثر الأنبياء في دعواتهم، قال تعالى وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠].
[٣٦] وقد استجاب الله لدعوة نبيه، بتمييز ملكه بما لا يتكرر مستقبلا. فَسَخَّرْنَا لَهُ
[١] وأيضاً راجع: الحديث رقم ٥٦ من تفسير نور الثقلين: ج ٤، ص ٤٥٩- ٤٦٠.