من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٣ - وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا
نار جهنم. وهذه النار التي تذيب الحديد، صورة مخفضة سبعين مرة عن نار جهنم. ولعله حتى الحرارة التي يولدها تفجير قنبلة ذرية هائلة فتحول الصخور دخانا خلال أقل من ثانية ليست سوى لهيب من نار جهنم، التي هي أشد حرا مما نتصوره في الدنيا .. وحتى الحرارة الموجودة في مركز الشمس المتناهية الشدة لا تقاس بنار جهنم. أوَلا نقرأ في النصوص أن الشمس تلقى في جهنم فتصرخ من حرها؟!.
فهل تتحمل العظام الناعمة، والأجسام الترفة، والجلود الرقيقة، والأعصاب الحساسة، ذلك العذاب الرهيب الذي يحول ساكنيه إلى شعلة متقدة؟! نعم، هكذا يفعل العذاب بالكافرين، فهم لا يموتون فيها ولا يحيون، يقول تعالى إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [طه: ٧٤]، كما وإنه لا يغمى عليهم، كما يحدث للمعذب أو المصاب بآلام في الدنيا، ولا يعطون إجازات يتخلصون فيها من عسر البلاء، ولا تجري لهم عمليات جراحية ليتماثلوا للشفاء من أمراض العذاب، ولا تقدم لهم مهدئات لتسكن نفوسهم ويكفوا عن الصراخ. وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ آنئذ سيلاقون العذاب الأكبر. فَهُمْ يُوزَعُونَ يتقسمون، ويلقى كل واحد منهم في سجنه المخصص له.
[٢٠] كل ذلك العذاب الغليظ المهين ينتظر أولئك الذين عادوا ربهم، فلم يتبعوا رسله، وخالفوا أوامره وسننه، وتجاوزوا حدوده، في الوقت الذي أطاعت الكائنات جميعا ربها، واتبعت سننه التي قدرها فيها. وحتى أعضاء جسد الإنسان تتبع سنن ربه، لولا أنه قد سخرت له بعض الأيام في الدنيا لينظر كيف يعمل بها، وفي يوم القيامة حيث بسلب منه هذه الحرية المحدودة تنقلب عليه أعضاء جسده فتكون شاهدة عليه على شفير جهنم. حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إن من الذنوب ما ترتكب بالأذن، كسماع الغيبة والغناء، وما يرتكب بالعين، كالنظر إلى المحرمات، وقراءة كتب الضلال، وما ترتكب عن طريق الجلد، كالزنا، وهذه الجوارح ستشهد على الإنسان يوم القيامة.
[٢١] يا لهول المفاجئة، ويا لصدق الشاهد! وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا كيف تشهدون علينا؟! كيف ونحن حملناكم مدى حياتنا؟! كيف ونحن نلبس الملابس الناعمة من أجلكم؟! كيف ونحن كنا نحميكم من شدة البرد في الليالي القارصة؟! كيف ونحن كنا نقيكم الحر؟! قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ومن هذا المقطع في الآية يتضح أن لكل شيء شعورا- كما قلنا- وإذا شاء الله أعطاه القدرة على النطق بلغة الإنسان حتى يفهم، وإلا فهو يملك شعورا. وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.