من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥ - قل نعم وأنتم داخرون
لإنفاذ أمر الرب، زاجرة العقبات في طريقها، كالطبقات الموجودة بين الأرض والسماء، والشياطين التي تحاول استراق السمع أو حجب الله عن أنبيائه ورسله فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً كما أن من صفاتها تلاوة الوحي على الأنبياء، والتلاوة من التتالي أي التتابع مما يدل على أن وحي الله لهم لا ينزل مرة واحدة، إنما يتنزل مفرقا، وذلك مما تستدعيه الحكمة في التغيير فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً.
[٤] فالملائكة إذن ليسوا آلهة من دون الله، إنما هم مسلَّمون لأمره، وحملة وحيه إلى الخلق، فلا تصح عبادتهم، وإنما عرَّفنا الله بجانب من دور الملائكة وهو شيء من الغيب، لأن إشراك طائفة من الناس بالملائكة نابع من جهلهم لحقيقة هذا الخلق، لهذا نجد القرآن بعد هذا التعريف المختصر والبليغ في الوقت نفسه، ينطلق لتأكيد حقيقة التوحيد قائلا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ويلاحظ ورود ثلاثة تأكيدات على هذا الأمر، هي: القسم وهو أعظمها وإن التوكيدية واللام في عبارة لواحد، الواقعة في جواب القسم.
[٥] ولكي لا يشبع الإنسان ميوله الفطرية نحو العبودية للرب باعتقادات باطلة تجاه الكون وبعض المخلوقات يبيَّن الله بأن كل ما في الكون هو مخلوق مفتقر إليه في وجوده، وهذا البيان يعطي البشر شعورا بالانسجام مع الطبيعة من حوله وهو يعبد ربه، وعلى العكس من ذلك لو أشرك بالله رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ولعل الحقائق العلمية القائلة بأن لكل نجم وكوكب مدارا خاصا به، فمشرقه ومغربه يختلف فيه عن غيره، تكشف عن جانب من هذه الآية التي جاءت كلمة المشارق فيها جمعا.
وهناك احتمال آخر لمعنى الكلمة هو: أن رحلة الشمس من عام إلى آخر (أو بالأحرى حركة الأرض السنوية حول الشمس) تستدعي وجود مشارق لها بعدد أيام السنة. ولعل تخصيص المشارق دون المغارب بالذكر إنما هو بسبب أن عبَّاد الشمس يسحرهم شروقها فيعبدونها فيها، ولذلك استدعى التأكيد على أن الله هو رب المشارق.
[٦] أما عن الكواكب التي يتخذها فئام من الناس معبودا من دون الله، إما لما يرون من اعتقادهم أن ظهورها وغيابها يؤثر في حياة البشر، أو لانبهارهم بروعتها، فإن القرآن يوضح دورها في السماء فيقول إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا القريبة من الأرض .. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ هذه الكواكب قد تكون موجودة في السماوات الأخرى، ولكنها لا تكون زينة لها، بسبب انعدام الأوكسجين والهواء من فضائها، مما يمنع بقاء الضوء أو انعكاسه.
[٧] وبالإضافة إلى هذا الجمال يشير السياق إلى القوة والمتانة في خلق السماء، حيث جعل فيها الرصد والحرس، يمنعون نفوذ الشياطين إلى الملأ الأعلى وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ.