من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٠ - ولا يرضى لعباده الكفر
[١٣] قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهذا بالغ ذروة الإنذار حيث يخشى رسول الله عذابا عظيما فكيف بنا.
[١٤- ١٥] قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ أما أنا فأعبد الله مخلصا له ديني، فاعبدوا ما شئتم. هكذا يتحدى الرسول بأمر الله أولئك الجاهليين الذين اتخذوا أهواءهم آلهة فعبدوا ما شاؤوا، وهذا هو خلاصة الإخلاص وصفوة التوحيد، وحين يبلغ المرء هذا المستوى الأرفع من الإخلاص لا يخشى أحدا ولا يخضع لشيء فإنه
أولًا: يضمن حريته التامة، واستقلاله الشامل، لأن الأعداء لن يجدوا فيه ثغرة يستعبدونه من خلالها، فلا المال والجاه والثناء يغريه ولا السجن والتهجير والإعدام يخيفه.
ثانياً: إنه يضمن استقامته على الطريق دون تعب، لأن النفس يؤلمها مخالفة الناس، وملامتهم و جراحات ألسنتهم، أما هو فقد تعالى بإذن الله عن لومة اللائمين، ولدغات الجاهلين.
ثالثاً: لا يكون شنآنه وبراءته من الناس بعصبية أو ضغينة، بل لفرط حبه لله وحبه للناس فهو يستقبل من يؤوب إلى الحق بترحاب، وهكذا لا يستمرئ الاعتزال، ولا يجعل بينه وبين الناس حجابا من الكبرياء والعصبية.
قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ نعم. يخسر الإنسان في ذلك اليوم كل شيء، نفسه حيث لا يتمتع شيئا، ويخسر أهليه فلن يراهم في ذلك اليوم إذا كانوا مؤمنين، ويحرم من شفاعتهم، لأنه لا تنفع الشفاعة إلا لمن ارتضى، وإن كانوا معه في جهنم، فلكل امرئ منهم شأن يغنيه، ويا لها من خسارة كبرى.
[١٦] وبعد ذلك يبيِّن الله لنا عذاب أولئك الذين خسروا أنفسهم وأهليهم، إنهم يعيشون في ظلل النار في أسفل طبقاتها، ولعل في هذه إشارة إلى ما في الدنيا فما في الآخرة تجسيد للدنيا، فقد كانوا واقعين تحت الحجب، من حجب الشهوات، إلى حجب الثقافة الجاهلية، والخضوع للطاغوت. لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ إنه محاط من فوقه ومن أسفل منه بالنار، وربما كان قوله وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ دلالة على أن هناك من هم أسفل منهم في النار مثل أصحاب التابوت وغيرهم. ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ اتقوا عذابي وغضبي، وتجيب الآيات التاليات كيف نجتنب غضبه.