من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٥ - سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
لقد حملنا السياق القرآني ومنذ فاتحة السورة إلى آفاق السماوات والأرض، وأرانا آيات الله فيها، من بديع الصنع، وعظيم الخلق، ولطيف التدبير، وحسن التقدير، ثم ذكرنا بأعماق النفس التي لو خضنا غمارها لرجعت النفس تائبة إلى فطرة العبودية. أرأيت جزعها حين يمسها سوء؟ هل وجدت يأسها وقنوطها بعد حرصها وطمعها؟ إذا لم تكن هذه شواهد العبودية فما هي إذا شواهدها؟! لقد أشار القرآن إلى بعض هذه الشواهد التي يجدها كل واحد منا في نفسه وجدانا، ثم قال مشيرا إليها والى آياته في الآفاق التي ذكرت من قبل سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ ومن هذه الآية نستوحي بأن الله سبحانه يتجلى للإنسان في آفاق الخلق حينا وحقائق النفس حينا بالرغم من الحجب السميكة التي يغلف بها قلبه، ولو في لحظة من لحظات عمره، لكي تتم الحجة عليه، وحتى أئمة الكفر والطغيان والفساد في الأرض يتم الله حجته عليهم، ويبيِّن لهم الحق بشكل لا يسعهم الإنكار، فإذا كفروا بعد ذلك أخذهم بعذاب بئيس، إذ إن كفرهم ليس عن غفلة، إنما عن جحود.
والآيات الشريفة السابقة توضح الآيوية حيث تبيِّن التقابل بين الفقر والغنى، وحيث تقلب حال البشر يدلل على الفقر. فإذا لم تكن الذات البشرية غنية بالعلم والوجود كما هو الحق، فلا بد أن نهتدي إلى أنها من طبيعة العدم والجهل. فنعرف أن ما بها من وجود وعلم هو من الغني الحميد. وأن هذه الحقائق تهدينا إلى أن ما في الآفاق وما في أنفسنا من آيات الكمال والجمال فهي دالة على ما لواهبها من كمال ذاتي لا محدود وجمال تام لا متناهي وأن ما فيها من معالم الضعف والنقص فهي دالة على تعالي خالقها منها وتساميه عنها وبهذا نهتدي إلى ما لله من أسماء حسنى وما هو منزه عنها من صفات المخلوقين.
أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ فالله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى شهادة شيء، بل هو الشاهد على كل شيء. فبنوره أشرقت السماوات والأرض، وبضيائه عرف الخلائق أنفسهم، وبذاته دل من يشاء على ذاته، سبحانك يا رب
[كَيفَ يَسْتَدِلُّ عَلَيكَ بَما هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقرٌ إِلَيكَ!. أَيَكُونُ لغَيْركَ مَن الظهُّورُ مَا لَيْسَ لَكَ، حَتَّى يَكُوَن هُوَ المُظْهرُ لَكَ!. مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَحتَاجَ إِلى دَليلٍ يُدلُّ عَلَيكَ!. وَمَتَى بَعدَّتَ حَتَّى تَكُونَ الآثَارُ هِيَ التيِّ تُوَصِلُ إِلَيكَ!. عَمِيَتْ عَينٌ لَا تَراكَ عَلَيهَا رَقِيباً] [١].
إنَّ التجلي الإلهي لا يكاد يخفى، فتأمل تجد أن: حياتنا الشخصية، مستقبلها، بل ماذا تكسب غدا ومتى تموت مُحاطة بتدبير فوقي. ولو تدبرت قليلا لوجدت أن صدفا ما غيرت مسيرة حياتك، وحوادث ما جعلتك تغير أفكارك، بل إنك في لحظات اضطررت أن تختار طريقا
[١] بحار الأنوار: ج ٦٤، ص ١٤٢، من دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة.