من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٦ - سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم
مختلفا عن آمالك، بل اخترته بصورة فجائية لم تسبقك إليه بادرة أبدا. ولقد عبرت عن الحقيقة آية شريفة تعبيرا لطيفا، فقال وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال: ٢٤].
وفي حالات عديدة يرتبط وجداننا بقوة غيبية نتيقن في تلك الأحوال بأنها مهيمنة ورحيمة فنتضرع إليه بقلوبنا فإذا الحياة المستصعبة تيسرت، وإذا تلك الشديدة انكشفت، لا نعلم أين هي وكيف هي، بل لا نعرف عنها إلا أنها قادرة على إنقاذنا.
وقد تصفو النفس إلى درجة تحسب أنها ترى الله، بل هو أشد من الرؤية وضوحا آنذاك، ولو يتذكر الإنسان تلك اللحظات لعرف إن الله لا ريب فيه فاطر السماوات والأرض الرؤوف الرحيم. وهكذا يعرِّف الله نفسه للإنسان مرة بعد أخرى ويظهر في كل شيء ظهورا، وإنما تراه القلوب البصيرة النافذة التي تخترق ظواهر الحياة إلى حقائقها.
وهذه شهادة الله لرسوله؛ فقد تحدى النبي صلى الله عليه واله كل البشر بما لهم من مبادئ وأفكار وبما ينتحلون من شرائع وأديان قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ [الأنعام: ١٩]. فقد اصطفاه من بين الأميين وبعثه بالكتاب الذي لا يأتيه الباطل، وأردفه بالتأييد والتسديد والنصر واستجابة الدعاء. وهكذا فالاحاطة القيومية تتكشف لمن يلقي السمع، بل هي تتكشف لكل إنسان في صور مختلفة في تجارب وتضاعيف الحياة.
[٥٤] ولكن العمى في الكفار هو الذي يجعلهم لا يرون الله عز وجل، وسبب العمى هو الكفر بالبعث، ونكران النشور. إن الريب في يوم الآخرة وبالتالي في المسؤولية يبرر للنفس التهاون، وإذا استبد بها التهاون لم يهتم بالحق، ولم يستمع إلى داعيه، ولم ينتفع بآيات الله التي تتجلى في الآفاق والأنفس. أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ إنهم يشكون في يوم القيامة وساعة الحساب، بينما الرب يحيط بهم إحاطة كاملة، وسوف لا يفلتون من قبضته، لأنه لا منجى منه إلا إليه، ولا مهرب من سطواته.