من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٩ - فسجد الملائكة كلهم أجمعون
ليس سوى شذوذ يرفضه كل ما في الحياة، وتأباه النفوس بفطرتها، فلكي يخدع الناس به لا بد أن يتكلف، ويتوسل بأساليب ملتوية، وكمثال على ذلك: الكاذب، فإنه وهو يريد الحديث عن شيء غير واقعي لا يصدقه الناس يضطر إلى زخرفة الكلام، والحلف باليمين المتكررة، أما الصادق فهو واضح في كلامه مطمئن في نفسه.
وحياة الرسول صلى الله عليه واله تشهد بانسيابه مع الحقائق بالفطرة النقية، والصراحة البالغة، والبصيرة النافذة، فلا يستعجل أمر ربه، ولا يتكلف حكما ما أنزل الله به قرآنا، ولا يجبر الله على شيء لم يبلغوا مستواه، ولا ينازع أحدا حقه أو سلطانه، ولا يجزع، ولا يهلع، ولا يستأثر، ولا يتصنع، ولا يغل، ولا يغش، ولا يطلب سوى صراح الحق، وواضح الرأي.
و جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما يرتبط بهذه الآية أنه قال
(أَنَّ المُسْلِمِينَ قَالُوا لِرَسُولِ الله: لَوْ أَكْرَهْتَ يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ عَلَى الإِسْلَامِ لَكَثُرَ عَدَدُنَا وَقَوِينَا عَلَى عَدُوِّنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله: مَا كُنْتُ لِأَلْقَى اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِبِدْعَةٍ لَمْ يُحْدِثْ إِلَيَّ فِيهَا شَيْئا
وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ) [١].
[٨٧] وتعرف الرسالة بالرسول الداعي إليها، فهو الصادق الأمين، الذي لا يطلب أجرا ولا يتكلف أمرا، و تعرف الرسالة أيضا بمحتواها، كما يعرف الرسول بمثل تلك الرسالة. ومن أبرز علامات الصدق في رسالة الإسلام عالميتها فهي تتجاوز الحدود والأطر لتكون لجميع الناس، فلا عشائرية، ولا عنصرية، ولا قومية، ولا طبقية، ولا إقليمية، و ...، بلى؛ إن ما نزل من عند رب العالمين يكون لكل العالمين، أما ما انبعث من فكر الإنسان المحدود فهو محدود بحدود ذلك الإنسان. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ والإنسان في كل مكان وزمان فطرته واحدة، والقرآن يشير إلى هذه الفطرة بما تنطوي عليه من تسليم واعتقاد بالحقائق التي تشتمل عليها، وذلك عبر التذكير.
[٨٨] وإذا لم يتذكر البشر ويصدق بما جاء به القرآن فهو قد طمس فطرته، وعطل عقله، وإنما يكتشف صدق الرسالة بعد الموت، أو أثناء الحياة عند التجلي الأعظم له. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ وهذا التحذير المبطن يكفي الإنسان خوفا من عواقب التكذيب بالحق، وممارسة الانحراف والمعصية، ويهدي إلى التصديق بالرسالة، وعدم الاسترسال في الغفلة والضلال.
[١] بحار الأنوار: ج ٥ ص ٤٩.