من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٨ - يا داود إنا جعلناك خليفة
وقال وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل: ٦١].
وقال الإمام الصادق عليه السلام
(لَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ عليه السلام مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ التَفَتَ فَرَأَى رَجُلًا يَزْنِي فَدَعَا عَلَيْهِ فَمَاتَ ثُمَّ رَأَى آخَرَ فَدَعَا عَلَيْهِ فَمَاتَ حَتَّى رَأَى ثَلَاثَةً فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَمَاتُوا فَأَوْحَى اللهُ عَزَّ ذِكْرُهُ إِلَيْهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ دَعْوَتَكَ مُجَابَةٌ فَلَا تَدْعُ عَلَى عِبَادِي فَإِنِّي لَوْ شِئْتُ لَمْ أَخْلُقْهُمْ إِنِّي خَلَقْتُ خَلْقِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ عَبْداً يَعْبُدُنِي لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئاً فَأُثِيبُهُ وعَبْداً يَعْبُدُ غَيْرِي فَلَنْ يَفُوتَنِي وعَبْداً عَبَدَ غَيْرِي فَأُخْرِجُ مِنْ صُلْبِهِ مَنْ يَعْبُدُنِي) [١].
الثالث: لكي تتم الحجة على الناس، فهم مع الفرصة التي يمنحها الرَّب لهم في الدنيا يسألونه الرجعة بعد الموت ليستأنفوا العمل قال الله تعالى حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون: ٩٩- ١٠٠].
وقال بعض المفسرين: إن معنى قِط النصيب وإنهم أرادوا نصيبهم من الجنة (لا من العذاب) استهزاء وسخرية وإنهم كذبوا بذلك بثالث الأصول الدينية (المعاد) بعد أن كذبوا بأولها (التوحيد) عندما قالوا أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً [ص: ٥]. وكذبوا بالثاني (النبوة) عندما قالوا أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا [ص: ٨].
وسواء هذا أو ذاك، فإن الله لم يستجب لأهوائهم، بل ضرب مثلا من واقع داود عليه السلام الذي عجل الله له جزاءه في الدنيا (وقطه) دون أن ينقص من أجره في الآخرة شيء.
[١٧] وهكذا ينبغي للرساليين أن لا يهتموا بكلام من هذا النوع، وإن كان ذلك صعبا بالذات إذا كان يمس بمقدساتهم، لهذا يوصي الله نبيه بالصبر. اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ثم يوجهنا السياق إلى مَثَلٍ من التاريخ، وبالتحديد من حياة داود عليه السلام يناقض غرور هؤلاء الكافرين بالسلطة والذي جرَّهم لتحدي الله عزَّ وجلَّ. وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ وحين يذكر النبي إخوته السابقين من الأنبياء، يستأنس بهم وبصبرهم في الضراء والسراء، و بتعاليهم على مؤثرات الحياة الدنيا وحين يذكر النبي لنا صبر الأنبياء وذكرهم وأنهم الأوابون إلى الله في كل حال حتى عندما تزدحم على أبوابهم زخارف الدنيا، فإنه يَسُنُّ أمامنا سُنَّة سالكة، وطريقا معبدا علينا الاستقامة عليه، والصبر على كل أذى فيه. دعنا إذا نذكر داود، فهو القوي ذو الأيدي، واليد: القوة، وداود يملك أسباب القوة وعواملها فهو قوي من جهة فعبر عنه القرآن بذي الأيدي، واليد كناية عن القوة والقدرة، وهو من جهة أخرى مؤمن وعلامة إيمانه التوبة
[١] الكافي: ج ٨، ص ٣٠٥.