من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٧ - يا داود إنا جعلناك خليفة
أهوائه، وعلى الضغوط التي تحيط به.
وفي الوقت الذي حدثتنا هذه السورة عمن صرعتهم هذه الفتنة، فراحوا يعتزون بقوتهم ويتحدون ربهم و يعتزون بآلهتهم التي تمثل رموز سلطتهم، ويخالفون ولاية الله باسمها وهم الملأ من الكفار، يضرب لنا هذا الدرس القرآني مثلا حيا من واقع داود عليه السلام الذي تجاوز هذه الفتنة. فبالرغم من أنه امتلك القوة الظاهرية في الأرض، كما سخرت له الطيور والجبال والحديد، إلا إنه لم يغتر بقوته بل صار يتقرب إلى الله اللحظة بعد اللحظة من خلال تسبيحه المستمر وآنئذ جعله الله خليفة في الأرض تشريعيا وواقعيا.
ونستوحي من إعطاء الله السلطة وولاية الأمر لنبيه داود عليه السلام بعد استقامته على الحق، أنه تعالى لا يعطي ولايته إلى كل سلطان، إنما للذين يمتلكون ناصية الملك ولا تمتلكهم.
بينات من الآيات
[١٦] عادة ما يستعجل الكفار عذاب الله، ويتحدون الأنبياء قائلين: إذا كانت دعوتكم صادقة فاسألوا ربكم أن يصب علينا العذاب. والسياق القرآني في هذه السورة يترك إجابة تحدِّي الكافرين، ويوجهنا إلى دراسة التاريخ، لأنه تعالى أجرى الحياة وفق سنن حددها واختارها بعلمه وحكمته، ولن يغيرِّ الله سننه كلما تحداها الجاهلون فهو يدير شؤون الخليقة حسب الحكمة لا حسب ردود الفعل تعالى ربنا عن ذلك علوا كبيرا، بلى قد يغيرِّ الله سُنَّة ما في ظروف خاصة لأن ربنا لا يعجزه شيء وأمره فوق السنن والقوانين، ولكنه مع ذلك يتصرف بعلم وحكمة. وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ والقِط الحظ والنصيب فهؤلاء يسألون الله أن يوافيهم بما يستحقون من العذاب لكي يكتشفوا أنهم فعلا على الباطل. ولكن الله لا يستجيب لهذه الدعوة دائما وذلك لأمور
الأول: أنه عز وجل رحيم بعباده، فلو قادهم الجهل يوما إلى الكفر والتحدي لا يأخذهم بالعذاب، وذلك أن الإنسان قد يجهل حينا ثم يكتشف خطأه ويعود إلى ربه.
الثاني: لأن ذلك يخالف حكمة الحياة، فالله خلقها للامتحان وذلك يقتضي أن لا يكون العذاب مباشرة بعد الذنب، ولو فعل الله ذلك لما عصاه أحد، ولكن الطاعة التي يريدها الله هي التي تكون بدافع المعرفة به، و الخوف من مستقبل المعصية، والتطلع إلى نتائج الطاعة. يقول تعالى وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩].