من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٢ - يا داود إنا جعلناك خليفة
الحروب ليقتل ويتم له الأمر فقتل، وتزوجها داود عليه السلام. فأرادت الملائكة أن تبين له خطأه هذا. وهذا التفسير يحبذه المنحرفون والملوك الذين يفتشون عند أدعياء الدين ما يبرر لهم انحرافهم، وما يبرؤوا به أنفسهم من الظلامات التي يرتكبونها.
وقد نقل الفخر الرازي في تفسيره الكبير أنه حضر في بعض المجالس، وحضر فيه بعض أكابر الملوك، وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك، ويمضي الفخر الرازي في بيان فساد هذا الرأي وإسكات ذلك الملك.
وهذا القول مردود عليه في أكثر الروايات نظرا لما فيه من المسّ بكرامة الأنبياء وتقواهم فعن الشيخ الصدوق رحمه الله، بإسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال لعلقمة
(يَا عَلْقَمَةُ إِنَّ رِضَا النَّاسِ لَا يُمْلَكُ وَأَلْسِنَتَهُمْ لَا تُضْبَطُ وَكَيْفَ تَسْلَمُونَ مِمَّا لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ أَنْبِيَاءُ اللهِ وَرُسُلُهُ وَحُجَجُ الله عليهم السلام أَ لَمْ يَنْسُبُوا يُوسُفَ عليه السلام إِلَى أَنَّهُ هَمَّ بِالزِّنَا!. أَ لَمْ يَنْسُبُوا أَيُّوبَ عليه السلام إِلَى أَنَّهُ ابْتُلِيَ بِذُنُوبِهِ!. أَ لَمْ يَنْسُبُوا دَاوُدَ عليه السلام إِلَى أَنَّهُ تَبِعَ الطَّيْرَ حَتَّى نَظَرَ إِلَى امْرَأَةِ أُورِيَا فَهَوَاهَا وَأَنَّهُ قَدَّمَ زَوْجَهَا أَمَامَ التَّابُوتِ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ تَزَوَّجَ بِهَا ...) [١].
وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام
(لَا أُوتِيَ بِرَجُلٍ يَزْعُمُ أَنَّ دَاوُدَ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أُورِيَا إلا جَلَدْتُهُ حَدَّيْنِ حَدّاً لِلنُّبُوَّةِ وَحَدّاً لِلْإِسْلَامِ) [٢].
ونجد هذا الرأي مكتوبا في التوراة الموجودة في أيدي اليهود، وهذا دليل على أنها محرفة، وإلا كيف تنسب إلى نبي من أنبياء الله هذه التهمة الرخيصة، وهو يؤتمن على رسالة الله وعباده؟
والأكثر اشكالية في الأمر أن هذا الرأي تسرب إلى كثير من التفاسير، وحينما يقتبس البعض أفكاره في تفسير القرآن من التوراة المحرفة، وينسب للأنبياء هذا الظلم والانحراف، بل هذا الشذوذ- عندها لا يرى ضيرا إذا حكم الأمة رجل كالمتوكل العباسي، أو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان- لأنه إذا كانت ثقافتنا مشوبة بهذه الأفكار الباطلة، فإنها سوف تدعونا لاتباع السلاطين والملوك الظلمة على أنهم خلفاء لله وأمناء على الرسالة.
الثاني: في تفسير الآية فهو: أن الفتنة التي تعرض لها داود عليه السلام، هو مبادرته لإصدار الحكم من دون سؤال صاحب النعجة الواحدة عن البينة، ولا الاستماع إلى رأي المدعي عليه، إذ لا يجوز للقاضي- من الناحية الشرعية والمنطقية- أن يصدر حكما في قضية ما قبل التحقيق
[١] بحار الأنوار: ج ٦٧، ص ٢.
[٢] متشابه القرآن: ج ١، ص ٢٤٩.