من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٣ - يا داود إنا جعلناك خليفة
فيها، والنظر في سائر الحيثيات التي تتصل بها.
يقول الإمام الرضا عليه السلام- بعد أن ضرب بيده على جبهته من هول الفرية على نبي الله داود عليه السلام-
(إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، لَقَدْ نَسَبْتُمْ نَبِيّاً مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ إِلَى التَّهَاوُنِ بِصَلَاتِهِ حَتَّى خَرَجَ فِي أَثَرِ الطَّيْرِ ثُمَّ بِالفَاحِشَةِ ثُمَّ بِالقَتْلِ
. فَقَالَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ فَمَا كَانَتْ خَطِيئَتُهُ فَقَالَ عليه السلام
وَيْحَكَ إِنَّ دَاوُدَ إِنَّمَا ظَنَّ أَنْ مَا خَلَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلْقاً هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَبَعَثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ المَلَكَيْنِ فَتَسَوَّرَا المِحْرَابَ فَقَالَا
خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ
فَعَجَّلَ دَاوُدُ عليه السلام عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَالَ
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ
فَلَمْ يَسْأَلِ المُدَّعِيَ البَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُقْبِلْ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَقُولَ مَا تَقُولُ فَكَانَ هَذَا خَطِيئَةَ حُكْمِهِ لَامَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ أَ لَا تَسْمَعُ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ
يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ فَمَا قِصَّتُهُ مَعَ أُورِيَا فَقَالَ الرِّضَا
عليه السلام: إِنَّ المَرْأَةَ فِي أَيَّامِ دَاوُدَ عليه السلام كَانَتْ إِذَا مَاتَ بَعْلُهَا أَوْ قُتِلَ لَا تَتَزَوَّجُ بَعْدَهُ أَبَداً وَ أَوَّلُ مَنْ أَبَاحَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ قُتِلَ بَعْلُهَا دَاوُدُ عليه السلام فَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أُورِيَا لَمَّا قُتِلَ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ فَذَلِكَ الَّذِي شُقَّ عَلَى النَّاسِ مِنْ قِبَلِ أُورِيَا ..) [١].
فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ إنه لم يترك فرصة لوساوس الشيطان وتسويفاته، إنما بادر مباشرة، إلى الاستغفار والتوبة، وأي باب للتوبة أوسع من الصلاة والدعاء. ألم يقل الله تبارك وتعالى قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ [الفرقان: ٧٧]. و قال في الصلاة وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة: ٤٥].
[٢٥] وحينما وفر عليه السلام شروط التوبة في نفسه، من صدق الندم، وإصلاح ما فسد، والضراعة إلى الرَّب بقلب منكسر، استجاب الله له. فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ التوبة تزيل خطأ الإنسان، وتمحو آثاره السلبية، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع، بل وتقدمه خطوات إلى التوبة تزيد الإنسان حصانة، وتقيه خطر الهلاك بالذنوب والأخطاء. وليس أضر على الإنسان من ذنب يعتز به، وخطأ يصر عليه مستكبرا.
وأهم معطيات التوبة أنها ترفع الإنسان درجات عند ربه، وتورثه المنازل الرفيعة في الجنة. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ وهذا خلاف لتصورات الإنسان السلبية من أن
[١] بحار الأنوار: ج ١١، ص ٧٢.