من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٣ - بل الذين كفروا في عزة وشقاق
لا التي تنطوي على الحق والعلم، وما دامت الأجيال الغابرة تنفي صحة هذا الفكر فهو خطأ إذن. وهذا ضرب من الرجعية لأن مجتمعا يعتمد هذه المقاييس لن يبدع ولن يتقدم خطوة إلى الأمام. ثم حكموا على الرسالة الإلهية بالباطل فقالوا إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ أي جديدة الحدوث متقطعة الجذور عن التأريخ، ودعوتهم هذه لتفنيد الدين خطأ من زاويتين
الأولى: أنهم اعتمدوا في تقييمهم للرسالة على النظرة الشيئية لا المنطقية، فمن البديهي أن تكون النتيجة ضلالتهم!.
الثانية: أنهم لم يبحثوا عن شرعية الرسالة وجذورها من خلال نظرة شاملة لتأريخ البشرية، ولو فعلوا ذلك لم يّعُدُّوها اختلاقا، لأنها تلتقي مع (١٢٤٠٠٠) دعوة في التاريخ جاء بها الأنبياء والمرسلون منذ قبل، ولكنهم قيموها من واقع جيل واحد فقط.
وجاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر عليه السلام في نزول الآية قال
(أَقْبَلَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ ومَعَهُ قَوْمٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَدَخَلُوا عَلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ آذَانَا وآذَى آلِهَتَنَا فَادْعُهُ ومُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ آلِهَتِنَا ونَكُفُّ عَنْ إِلَهِهِ قَالَ فَبَعَثَ أَبُوطَالِب إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَدَعَاهُ فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه واله لَمْ يَرَ فِي البَيْتِ إِلَّا مُشْرِكاً فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى ثُمَّ جَلَسَ فَخَبَّرَهُ أَبُو طَالِبٍ بِمَا جَاءُوا لَهُ فَقَالَ: أَوهَلْ لَهُمْ فِي كَلِمَةٍ خَيْرٍ لَهُمْ مِنْ هَذَا يَسُودُونَ بِهَا العَرَبَ ويَطَئُونَ أَعْنَاقَهُمْ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ نَعَمْ ومَا هَذِهِ الكَلِمَةُ فَقَالَ تَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ قَالَ فَوَضَعُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وخَرَجُوا هُرَّاباً وهُمْ يَقُولُونَ
مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِمْ
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ
إِلَى قَوْلِهِ
إِلَّا اخْتِلاقٌ) [١].
[٨] ثم صرحوا بما تنطوي عليه نفوسهم تجاه الحق، وقالوا لو أنزلت الرسالة علينا لآمنا بها فنحن أولى بالنبوة منه لأن عندنا المال والرجال والوجاهة، ونحن أصلح لقيادة المجتمع منه، وليس من المعقول أن ينزل الذكر على هذا الفقير اليتيم والضعيف، وأن نسلم لقيادته!. وغاب عن أذهانهم أن الصفات المطلوبة في الرسول القائد ليست التي يتصورونها، إنما القيادة لذي العلم والتقوى والأخلاق، ثم إن الله هو الذي يُعيِّن الرسول لا عامة الناس ولا خاصتهم من الملأ أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا وينسف الله كل أعذارهم للكفر بالحق مبيِّنا الأسباب المركزية الداعية إليه و هي
الأول: أنهم لم يستفيدوا من ذكر الله، سواء الذي يتجلى في كتابه، أو في تاريخ القرون الماضية، أو على لسان الآخرين. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي والذي يشك في هيمنة الله تعالى
[١] الكافي: ج ٢ ص ٦٤٩.