من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨١ - بل الذين كفروا في عزة وشقاق
في رسالته، فصاروا من العجب إلى الكفر. وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ واختاروا كلمة ساحر لأن السحر أقرب الأشياء للحق ظاهرا، وإن كان واقعا أبعدها، وكانت هذه التسمية للهروب من ضغط المعجزة.
والواقع: أن ذات اتهام المشركين للرسالة بأنها سحر شاهد على صدقها، إذ إنه دليل على أن الرسالة كانت ذات جاذبية تشبه في قوتها جاذبية السحر عندهم، كما إنها كانت خارقة ذات آيات عجزت قواهم البشرية عن الإتيان بمثلها، مما دعاهم للافتراء عليها بأنها سحر. فإذا عرفنا مدى الفرق بين السحر والرسالة في أن الساحر لا يفلح، وأنه لا يبني حضارة، وأن كلامه لا يكون موافقا للعقل والفطرة، بينما الرسول يعكس ذلك كله، عرفنا كيف كان اتهامه بالسحر دليل صدقه.
[٥] ويهدينا القرآن مرة أخرى إلى شذوذ الكافرين (شقاقهم) وعزتهم، بالإشارة إلى اعتراضهم على دعوة النبي التوحيدية، فمع أن الوحدة حق يهتدي إليه الإنسان بفطرته وتتطلع إليه الأمم المتحضرة، و لكنهم يرفضونها اعتزازا بواقع التمزق القائم عندهم. أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ومن الآية نستوحي بأن التوحيد ليس هداية للناس للحق وحسب، بل هو العلاج الحقيقي للفرقة، ذلك أن منشأ التفرقة في أية أمة هو الشرك الكلي أو الجزئي فهذا الفريق إنما ينشق عن البقية لأنه يؤمن بفكرة وقيادة ما، فالرايات القبلية، والعصبيات العشائرية، والحدود الجغرافية، والمصالح القومية، والاختلاف العنصري والطائفي، وما أشبه كل أولئك عوامل اختلاف الناس وشقاقهم. وإذا أمعنت النظر رأيت كل واحد منها ينتهي إلى تقديس شيء من دون الله. وإنما الآلهة رموز تلك المقدسات. أرأيت الناس حين يقدسون العلم الوطني يعبدون قطعة قماش أم حدود الوطن؟ كذلك حين كان الجاهليون يعبدون الأصنام التي كانت ترمز إلى عصبياتهم العشائرية فإنما كانوا يعبدون قيم العشيرة.
وهذا نستنتجه من التدبر في الآيات (٢- ٥) ففي الوقت الذي يذكر القرآن الشقاق في مجتمع الجاهلية في الآية الثانية، يشير هنا إلى تعدد الآلهة فيه، وفي نصوص التأريخ نجد أنه كان في الكعبة وحدها (٣٦٠) صنما لكل قبيلة صنمها المختص بها، ولكي يجمع النبي الناس ويوحدهم طرح رسالته التوحيدية كبديل عن الأفكار الشركية، وكسر الأصنام لأنها كانت رمزا للتفرقة (الشقاق) والعزة (بالإثم- الكبر).
ولعل أحدنا يستنكر على الكفار والمشركين رفضهم لتلك الرسالة التوحيدية، ولكننا نجد اليوم وبعد (١٤) قرنا، أناسا يسخرون ممن ينادي بكسر الحدود المصطنعة التي أوجدها الأعداء بيننا، وهي لا تعدو أن تكون بدائل عن الأصنام التي علَّقها الجاهليون على الكعبة.