من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٩ - بل الذين كفروا في عزة وشقاق
لقد خلق الله الإنسان مستقيما بفطرته، التي أودعها الإيمان بكلياته الكبرى، بالله واليوم الآخر، وبضرورة الصدق والوفاء والأمانة وسائر القيم الإنسانية النبيلة التي هي محط توافق البشرية و .. ولكن عوامل مختلفة من بينها ضغط الشهوات والمجتمع تدعوه إلى الانحراف. ويأتي القرآن ليذكره بما ينساه أو يغفل عنه بسبب تلك العوامل ليعود إلى رشده المتمثل في (الطريق المستقيم) الذي هو الحالة الطبيعية للإنسان، على خلاف الانحراف الذي يجسِّد الشذوذ في الحياة. فالقرآن يستثير العقل من خلال التفكير، وفسر البعض الآية بالذكر الطيب والسمعة الحسنة. و يبدو أن التفسير الأول أقرب.
[٢] ومع عظمة القرآن وقدرته الهائلة في التغيير والتأثير على الإنسان، لكن الكفار لا يتأثرون به، لأن التذكرة وحدها لا تنفع إذا كان جهاز استقبالها وهو العقل قد احتجب بالأهواء والغباء الذي هو من أهم الحجب التي تمنع البشر من الانتفاع بالتذكرة، وتدعوه إلى الإصرار على الانحراف. بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ أما أنت أيها الرسول فعلى الحق، من هنا قال بعض المفسرين أن المقسم به محذوف تقديره وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (إنك تحمل للناس ذكرا)، ويدل على هذا الحذف التصريح به في مثيله من سورة يس إذ قال ربنا يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ [يس: ١- ٢]. وإنما صار الحذف هنا لدلالة الآية الثانية على المحذوف المقسم به.
وهذه الآية تبين العامل في رفض الكافرين للتذكرة ألا وهو العزَّة والشِّقاق، والعزَّة هو تصور الإنسان نفسه أنه وصل من القوة والمنعة ما لا يحتاج معه إلى الحق، أو إلى ربه، فيبقى يصر على انحرافه بل ويعتز بالخطأ. يقول ربنا في آية كريمة وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ [البقرة: ٢٠٦]. ورفض هؤلاء للحق ليس نابعا من قوة المنطق لأنهم يرفضونه بدون أي مبرر معقول، ولكنه نابع من منطق القوة التي يخضع لها أكثر الناس وإنما لم يستجب كفار قريش للرسول اعتزازا بقوتهم. بلى، إن من أعقد مشاكل الإنسان أنه لا يعترف بخطئه حين يتبين له الحق غرورا وخشية بأن يجلب له ذلك المهانة فتراه يعتز بباطله الذي كان عليه. أما الشقاق فهو الشذوذ فمع أن الكون كله قائم على الخضوع لله وحتى جسد الإنسان يخضع لآلاف القوانين التي تخضع هي بدورها لمشيئة الرَّب. ترى الكفار ومن يلتقي معهم من المذنبين والعصاة يشقون عصا الطاعة ولا ينسجمون مع الحق الذي تقوم عليه الحياة.
[٣] والإنسان المؤمن يجب أن لا يضعف ولا يشكك في خطه حينما يرى الأغلبية منشقة عنه، لأن المقياس هو الحق وليس الناس. ولو أنه درس الحياة لاطمأن إلى نهجه، لأنه حينئذ