من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٤ - بل الذين كفروا في عزة وشقاق
ينعكس شكه على جزئيات الإيمان وكلياته.
الثاني: عدم خوفهم من العذاب، لأنهم لم يتذوقوه، ولم يستفيدوا من تجربة الذين وقعوا فيه قبلهم. بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ويستفاد من لَمَّا أن عذابهم مرتقب.
[٩- ١٠- ١١] الثالث: غرور المال والقوة اللذان أحاطا بهم، فصاروا ينظرون إلى جميع الأمور من خلالهما، فإذا بهم لا يرون حاجة للرسالة في أنفسهم. ويحطم ربنا كبرياءهم هذا عن طريق مقارنة ما بحوزتهم بما عند الله من الملك والقوة. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ كلا .. ومن خزائن الله الرسالة التي ينزلها على من يشاء من عباده المخلصين. ثم إن الذي عندهم مهدد بأن يسلبه الله بعزته، بل هو هبة من الله لهم وليس ملكا ذاتيا. ثم لندع مقايسة ما يملكه هؤلاء بما عند الله، ولننظر ماذا يملكون من ظاهر الحياة الذي هو جزء ضئيل من ملكه تعالى أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وربنا يذكر هؤلاء بحقارة ما يملكون وعظمة ما يملكه الله، لأنهم- كما تقدمت الإشارة- يعتمدون على منطق القوة، فأراد الله أن يوضح لهم بأنه الغالب في قوة المنطق وفي منطق القوة أيضا.
إن هذا الإنسان الذي يتمالكه الغرور فيتحدى ربَّه أَضعف ما يكون عن تحمل أدنى تحد فالسلطان المتكبر يقتله الله بجرثوم تعجز أحدث الأجهزة عن اكتشافه، وقد يسلب منه كل ما يملك بين عشية وضحاها. ومما يذكر في التاريخ أن الناس ثاروا على خليفة من الخلفاء العباسيين ففقؤوا عينه، وجردوه من ملابسه و صادروا كل ما تملكه من أموال المسلمين، حتى وقف يتسول على باب المسجد من الناس.
وربنا من فوق عرشه يتحدى المتكبرين؛ يقول: اجمعوا قواكم المادية والبشرية والعلمية، وابحثوا عن كل سبب من أسباب القدرة، فإن مصيركم لن يكون إلا كمصير الأقوام السابقة، حيث كذبت الرسل و تحدت الحق فدمرها الله. فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبَابِ (١٠) جُندٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنْ الأَحْزَابِ فمهما اعتمدوا على أسباب القوة (العدد والعدة والخبرة) فإن المؤسسات العسكرية تنهار بفعل الإرادة الإلهية المباشرة أو المتجلية على أيدي المؤمنين. وجند مبتدأ، و مَا أداة للتقليل أراد بها الله تحقير قوتهم، وهنالك إشارة للمكان البعيد الذي قد يستخدم للتحقير أيضا، فيكون المعنى كقولنا أن هنالك جندا ما مهزومون من الأحزاب، وفي الروايات كان المقصود في التأويل من الآية هم المشركون في مكة وقد تحزَّبوا لحرب الإسلام، فبشر الله نبيه بهزيمتهم وغلبته عليهم.
[١٢] ومن أجل أن يستقيم الرسول في طريق الدعوة للحق، ويقاوم تحديات الكافرين،