من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٠
يوم
[فَقَالَ لَهَا أَ لَسْتِ أُخْتَ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عليه السلام؟. قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَمَا هَذَا الجَهْدُ وَمَا هَذِهِ البَلِيَّةُ الَّتِي أَرَاكُمْ فِيهَا؟. قَالَتْ: هُوَ الَّذِي فَعَلَ بِنَا لِيُؤْجِرَنَا بِفَضْلِهِ عَلَيْنَا لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ بِفَضْلِهِ مُنْعِماً ثُمَّ أَخَذَهُ لِيَبْتَلِيَنَا، فَهَلْ رَأَيْتَ مُنْعِماً أَفْضَلَ مِنْهُ فَعَلَى إِعْطَائِهِ نَشْكُرُهُ وَعَلَى ابْتِلَائِهِ نَحْمَدُهُ، فَقَدْ جَعَلَ لَنَا الحُسْنَيَيْنِ كِلْتَيْهِمَا فَابْتَلَاهُ لِيَرَى صَبْرَنَا وَلَا نَجِدُ عَلَى الصَّبْرِ قُوَّةً إِلَّا بِمَعُونَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ، فَلَهُ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ مَا أَوْلَانَا وَأَبْلَانَا] [١].
هكذا يوجِّه المؤمنون الابتلاء والمصيبة، ويقاومون وساوس الشيطان الذي يحاول تحريف مسيرتهم، بينما يكفر سائر الناس بسبب الابتلاءات التي يتعرضون لها، والتي لو درسناها لوجدنا أكثرها تحل بهم لذنوبهم وما قدمته أيديهم من سيئات. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ يكفر بالنعم القديمة كما يكفر بسائر النعم التي تحيط به الآن، فتظلم الدنيا في عينيه، ويفقد القدرة على مقاومة البلاء والتمتع بالرخاء.
[٤٩] هذا ضعف الإنسان، وخور عزمه، أفلا اتصل بالقوة التي لا تقهر، وبالملك الذي لا يحد، وبالعزة التي لا تغلب، بالله القوي العزيز؟. لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ومَنْ أوسع ملكا ممن يملكهما، ومن أنفذ ملكا ممن خلقهما؟ أوَليست السماوات مطويات بيمينه؟ ثم إن ملكه لا يحد بالسماوات والأرض، لأنه يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ دون أن يحق لأحد الاعتراض عليه أو السؤال. وتتجلى هذه المشيئة في مختلف جوانب الحياة، ومن بينها تصرفه في أعظم ما خوله للإنسان من الملك وهو الولد. يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ فلا الذي يريد الله أن يكون نسله كلهم إناثا قادرٌ على إنجاب الذكور، ولا العكس. ولعل تقديم الإناث على الذكور كان للدلالة على أن البنت هي الأخرى هبة من الله عظيمة، أو لأن الجاهليين كانوا لا يحبون الإناث، ولكن الله- بالرغم من ذلك- يهب الإناث، فهو الواهب لما يشاء، كيف يشاء، أفلا يدل ذلك على سعة ملكه، وشدة هيمنته؟
[٥٠] أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً أي يجعل النسل من الجنسين الإناث والذكور ويجعل من يشاء عقيماً. فلا يهب له شيئا، وهذه المشيئة ليست اعتباطية، وإنما تدخل ضمن حكمة الله وإرادته المطلقة. إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ولو أنه يعطي الناس كيفما أرادوا لربما فسد العالم، فقد يتمنى الجميع أو الأكثرية الذكور أو العكس، بينما لا بد من التنوع والتوازن للحفاظ على الجنس البشري، ومن جانب آخر يجعل ربنا البعض عقيما لحكمة يعلمها، فربما يفسد العقيم لو أعطي ذرية. ومعرفة هذه الحقيقة تبعث السكينة في النفس، فمن علم بأن الله هو الوهاب لأفضل النعمة وأشدها تأثيرا على النفس، وهي نعمة
[١] بحار الأنوار: ج ١٢، ص ٣٥٢.