من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٢
وَأَمَّا وَحْيُ الإِشَارَةِ فَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَ
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً] [١]. وما يجمع هذه المعاني وغيرها لكلمة الوحي هو الإلقاء إشارة وبنحو من التخصيص والستر.
ونتساءل: كيف يتم الوحي من الله للبشر؟. قبل الإجابة لا بد أن نعرف أنه لا ينبغي السؤال عن الكيفية في الجانب الألوهي، لأن علمه محجوب عنا، وقد ضل كثير من الناس حين تفكروا في الذات الألوهية وما يتصل به سبحانه من حقائق، بلى؛ يحق لنا أن نسأل عن الجانب الآخر حيث يتم التلقي والاستجابة والأخذ، والقضية هنا هينة إذ إن لها أمثلة: فنحن البشر لم نعلم شيئا حين خلقنا الله من بطون الأمهات ثم قذف في قلوبنا العلم، كما إن كثيرا من البشر يقذف الله في أفئدتهم نور معرفته و روح الإيمان به، وكل ذلك نظائر للوحي. ولكن حين يكلم الله أحدا بالوحي فإن ذلك لا يعني مجرد قذف نور العلم بصورة مجملة، بل وأيضا بيان تفاصيل العلم، وبينات الهدى، لأن القضية هنا قضية التكلم، والتكلم يعني وجود كلمات، والكلمات تعني المفصلات من العلم.
ويبدو أن الوحي هو اتصال مباشر بين الرب وعبده المنتخب، ولعله أسمى درجات التكلم، وقد كان نبينا صلى الله عليه واله يعيش في لحظات التجلي وضعا خاصا كان يسمِّيه المسلمون (برحاء الوحي) .. سأل زرارة من الإمام الصادقعليه السلام قائلا: [جُعِلْتُ فِدَاكَ الغَشْيَةُ الَّتِي كَانَتْ تُصِيبُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه واله إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، قَالَ: فَقَالَ عليه السلام
ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله أَحَدٌ ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى اللهُ لَه]
[٢]. وجاء في حديث آخر
[كَانَ جَبْرئِيلُ إِذا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه واله قَعَدَ بَينَ يَدَيهِ قَعْدَةَ العَبْدِ وَكَان لَا يَدْخُلُ حَتَّى يَسْتَأذِنَهُ] [٣].
من هنا فإن بَرْحاء الوحي إنما كانت تنتاب النبي عندما يتم تجلي الله له بالوحي المباشر، وليس عندما يبعث إليه رسولا من عنده (وهو جبرائيل عليه السلام) الذي كان يتمثل في أجمل صورة وهو صورة دحية الكلبي المعروف بصباحة وجهه، ولم ينزل عليه بصورته الأصلية إلا مرتين، حسب بعض النصوص .. ماذا كانت برحاء الوحي، ولماذا؟.
روي أنه كان إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل. وروي أنه كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه يتفصد عرقا [٤]. وروي أنه
[١] بحار الأنوار: ج ٩٠ ص ١٦.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٢٥٦.
[٣] علل الشرائع: ج ١، ص ٧.
[٤] أي إذا انتهى عنه الوحي تصبب عرقا، بحار الأنوار: ج ١٨، ص ٢٦١.