من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٦ - وأمرهم شورى بينهم
وقال الرسول صلى الله عليه واله
[الحَزْمُ أَنْ تَسْتَشِيرَ ذَا الرَّأْيِ وتُطِيعَ أَمَرَهُ] [١].
وقال الإمام علي عليه السلام
[الِاسْتِشَارَةُ عَيْنُ الهِدَايَةِ وقَدْ خَاطَرَ مَنِ اسْتَغْنَى بِرَأْيِهِ] [٢].
ثم وبعد التعرض للشورى يسرد لنا القرآن مجموعة أخرى من صفات المؤمنين التي تتكامل وصفة الشورى فيقول وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ سواء كان رزقا ماديا كالمال والثروة، أو معنويا كالحكمة والعلم، فإن المؤمنين ينفقون منه في سبيل تقدمهم جميعا، ولا ريب أن المجتمع البخيل الذي ينحصر أبناؤه في حدود أنفسهم ومصالحهم لا يستفيد من الشورى، لأن تبادل الأفكار والمعلومات والخبرات يستدعي تبادل المنافع، ودائما يكون وراء مبادلة الخبرات التي تنفع اقتصاديا مبادلة للأفكار، إذ لولا وجود حالة العطاء والكرم، وبالتالي الخروج عن نطاق الذات، إذن لما أمكن الإنسان الجلوس والتفاوض مع الآخرين، ولذلك جاء لنا التأكيد القرآني على الإنفاق بعد الحديث عن الشورى.
[٣٩] وهناك مسألة أخرى تتصل بموضوع الشورى اتصالا متينا وهي قضية الكرامة في حياة المجتمع والفرد، التي من خلالها يتحدد مصير الحرية، ذلك أن تحسس الإنسان بكرامته هو الذي يدعوه للتحرر ورفض الضيم. والمجتمع الذي يبقى يدور في حدود المطالبة بالحرية زاعما بأنها ستأتيه على طبق من الذهب لا يفلح أبدا، لأنه عندما يستجديها ممن سلبها منه فإنه يثبت له بأنه ليس أهلا للحرية ولا للكرامة، و إنما أهل الحرية هم الذين يأخذون حريتهم بالقوة، ويستعيدون كرامتهم بدمائهم، ولذلك أكد القرآن وفي هذا المقطع بالذات على فكرة هامة هي أن الشورى التي تعد تعبيرا عن الحرية والكرامة لا تعطى للمجتمع، وإنما يجب أن تؤخذ بالقوة، وهذا يهدينا إلى ضرورة الجهاد والتضحية من أجلها.
وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ والضمير المنفصل هُمْ يأتي هنا للتأكيد على أن المؤمنين لا ينتظرون أحدا لينتصر لمظلمتهم، وإنما يسعون بأنفسهم لرفع البغي عن أنفسهم، وفي الآية فكرتان
الأولى: أن هؤلاء يقاومون البغي ويستعيدون حقوقهم بالقوة.
الثانية: أنهم ينصر بعضهم بعضا في هذه المقاومة، فإذا سعى الظالم للبغي عليهم وقهرهم وقفوا جميعهم صفا واحدا ضده.
[١] مستدرك الوسائل: ج ١ ص ٣٤٢.
[٢] وسائل الشيعة: ج ١٢، ص ٤٠.