من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٤ - وأمرهم شورى بينهم
ونتساءل: أنَّى لعامة الناس أن يراقبوا تصرفات الخاصة، وبالذات ذلك الفقيه العارف بالدين، والمضطلع في أحكامه؟ بل حتى ولو افترضنا انحرافه عن جادة الحق، فإنه قادر على تغليف انحرافه بتبريرات دينية. أو لم تكن سلطات الجور عبر التاريخ تُؤِّل الدين حسب أهوائها؟!.
للإجابة عنه لابد أن نلفت لدور القيم التي تشكل محددات ثقافة الإنسان ومنبع تلك القيم والمعارف. فمنبع المعارف القرآن هو الكتاب المعجز الذي تحدى الله به عباده ولا يزال يتحداهم أربعة عشر قرناً، ولم يستطع أحد الاستجابة لهذا التحدي الأعظم، هذا القرآن ليس فقط الأكثر تلاوة بين الكتب، بل وأيضاً الأبلغ تأثيراً. وقد صاغ القرآن، شخصية الأمة المؤمنة بالقيم الإيمانية حتى أصبحت جزءاً منها. ورأس القيم توحيد الله، واتباع رسل الله، وولاية أوليائه، وتكريم المؤمنين والأخوة معهم، وتجاوز العصبيات .. والعدل والصدق والأمانة، والإنصاف والإحسان وسائر المبادئ السامية، وهي الميثاق الإلهي بين الحاكم والرعية، فمن اتبعها كان حرياً بقيادة الأمة .. ومن خالفها وجب عليها القيام ضده. ومن هذه القيم، بل من أعظمها؛ رعاية حق الأمة في الانتخاب، فمن صادرها بأي تبرير، حق للأمة القيام ضده. ومن هنا فإن مقياس الأمة الواعية التي تستحق الحياة الكريمة أن يحافظوا على حقهم في تنحية الحاكم عن كرسي الحكم .. وما القيم التي يبرر بها الحكام استمرار سلطانهم، إلّا أفكاراً جاهلية، وإيحاءات شيطانية، أتعب الحكام الفاسدون أنفسهم في اختراعها، وأنفقوا أموالًا طائلة في بثها بين الناس، واشتروا ضمائر الكتاب التافهين وأدعياء الدين، حتى كرسوها بين العوام. وهنا بالذات حلبة الصراع الأساسي بين العدل والسلام، والحرية والتقدم، وبين القيم الجاهلية، وعلى طليعة الأمة من المجاهدين والمثقفين والصالحين ألّا يألوا جهداً في بث قيمة الحرية في الأمة، وأن يحددوا الجناة الذين يبغون مصادرتها، ويعلموا الناس كيف يدافعون عن حقهم.
جيم: أن الشورى ليست في أحكام الله وإنما في أمور الناس. فبعد أن يؤمن الناس بدين الله فإنهم يُسلِّمون لحكمه وشرائعه. نعم إن أمور الناس في مستويين؛ أولهما يتصل بالمتغيرات والحوادث واستنباط التشريعات المناسبة من ثوابت الدين. والشورى هنا في مقام النبي صلى الله عليه واله وخلفائه عليه السلام غير واردة، وهي في غير المعصوم عليه السلام شورى أهل الخبرة بالفقه وبالواقع الخارجي وموضوعاته. وثانيهما يتصل بالبت والقرار وإدارة الحياة العامة والشورى فيها عامة.
وجوهر الشورى هو فهم المتغيرات. لأن الشورى لا ارتباط لها بالصورة العامة للقوانين، بل ترتبط بأمورنا العامة، وأمورنا هي متغيرات الإنسان وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ