من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٢ - وأمرهم شورى بينهم
ومن خلال النصوص الإسلامية التي تأمر بالاستشارة نتبيَّن أن أفضل الأنظمة الاقتصادية في الإسلام هي التي تجمع أكبر قدر من صفة الشورى، ولعلها التعاونيات الاقتصادية التي نستوحي أهميتها أيضا من مجمل القيم الإيمانية كالتعاون والإحسان والإيثار وحرمة الترف وحرمة سيطرة الأغنياء على مقاليد السلطة. وقد حددت النصوص معالم الشورى في الحياة الاجتماعية، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه واله
[اسْتَرْشِدُوا العَاقِلَ ولَا تَعْصُوهُ فَتَنْدَمُوا]
[١]. وروي عن الإمام الصادق عليه السلام
[اسْتَشِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ]
[٢]. وقال رسول الله، وهو يوصي أمير المؤمنين عليه السلام
[يَا عَلِيُّ لَا تُشَاوِرْ جَبَاناً فَإِنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَيْكَ المَخْرَجَ وَلَا تُشَاوِرِ البَخِيلَ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ بِكَ عَنْ غَايَتِكَ وَلَا تُشَاوِرْ حَرِيصاً فَإِنَّهُ يُزَيِّنُ لَكَ شَرَّهُمَا وَاعْلَمْ يَا عَلِيُّ أَنَّ الجُبْنَ وَالبُخْلَ وَالحِرْصَ غَرِيزَةٌ وَاحِدَةٌ يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِ] [٣].
ومثلما أمر الإسلام بالمشورة أمر المستشار بالنصح، فحرام أن يمحضك أخوك المؤمن ثقته ثم تخونه بالرأي الباطل والرأي الفطير .. قال الإمام الصادق عليه السلام فيما روي عنه
[مَنِ اسْتَشَارَ أَخَاهُ فَلَمْ يَنْصَحْهُ مَحْضَ الرَّأْيِ سَلَبَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ رَأْيَهُ]
[٤]. وبين الإسلام كيف ينبغي أن يشير من يطلب منه الرأي، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام
[لَا تَكُونَنَّ أَوَّلَ مُشِيرٍ وَإِيَّاكَ وَالرَّأْيَ الفَطِيرَ [٥] وَتَجَنَّبِ ارْتِجَالَ الكَلَامِ وَلَا تُشِرْ عَلَى مُسْتَبِدٍّ بِرَأْيِهِ وَلَا عَلَى وَغْدٍ [٦] وَلَا عَلَى مُتَلَوِّنٍ وَلَا عَلَى لَجُوجٍ وَخَفِ الله فِي مُوَافَقَةِ هَوَى المُسْتَشِيرِ فَإِنَّ التِمَاسَ مُوَافَقَتِهِ لُؤْمٌ وَ سُوءَ الِاسْتِمَاعِ مِنْهُ خِيَانَةٌ] [٧].
رابعاً: وحين تكون الشورى صبغة المجتمع المسلم تضمن حرية الرأي، وحق الانتخاب، وواجب المساهمة في صنع القرار السياسي، بل وتكون كل هذه المفاهيم ذات هدف مقدس. ولقد رسم الدين منهج الحكم في قيادة أولى الناس بالنبي صلى الله عليه واله، وهم الأكثر علما والأتقى عملا و الأكفأ إدارة، وجعل على الناس واجب التعرف إلى هذا القائد، وانتخابه حاكما عليهم، فإذا فعلوا وجبت طاعته ضمن إطار المشورة.
إن النظام الاجتماعي والدولة المنبثقة منه ضرورة علائية، لأن جملة ضرورات هامة
[١] وسائل الشيعة: ج ١٢، ص ١٩.
[٢] المصدر السابق: ص ٤١.
[٣] بحار الأنوار: ج ٧٢، ص ٩٩.
[٤] وسائل الشيعة: ج ١٢، ص ٤٤.
[٥] قالوا: الرأي قبل التروي والتعمق.
[٦] الدني: الضعيف رأيا وعقلا.
[٧] بحار الأنوار: ج ٧٢، ص ١٠٤.