من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٢ - لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله
والتحليق في سماء العقل، والعبور من واقع الشهود إلى حقائق الغيب، وما إلى ذلك من الكمال الرفيع الذي يستصعب على البشر فتراه يتكبر، فكيف يشافي المنهج القرآني حالة الاستكبار؟. بتذكير البشر بأن الملائكة وهم أفضل منه، وأقرب إلى ربهم، وأعظم قوة وسلطانا، يتعبدون الله وحده، ويقدسونه من الشركاء الموهومين، وأن المقربين من عباد الله الصالحين الذين يحظون بقرب الله يسبحونه، وأن طريق التعالي هو الخضوع، وأنه لا يتسامى البشر من دون كسر حاجز الاستكبار في نفسه. فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا وأخذوا يشركون بالله خلقه، ويسجدون للشمس والقمر، ويخضعون لزينة الحياة الدنيا، و يزعمون أن ذلك طريق الكمال، تكريسا للأنانية، وإبقاء للجهل والجهالة، فليعلموا أنهم لم يهتدوا إلى سبيل التقرب إلى الله.
فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ من الملائكة والمقربين، ولعل هناك خلق غيرهما لا نعلمه، هؤلاء الذين حظوا بمقام القرب من الله حتى صاروا عنده، ويحتمل أن يشمل المقربين وهم أحياء في الدنيا، لأنهم عند ربهم بأرواحهم وقلوبهم، وليس لربنا مكان محدد، فالقرب منه قرب معنوي. يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فآيات الله لا تستبد بمشاعرهم، بل تذكرهم بعظمة ربهم. أوليس الليل يزول، والله دائم لا يزال؟ أوليس النهار ينسلخ، والله حي قيوم؟ فهم ينظرون إلى الجوانب السلبية في الخليقة فينزهون بارئها منها، كما أنهم ينظرون إلى الجوانب الإيجابية فيزدادون حبا لربهم وشوقا، وهذا المنهج في النظر إلى الليل والنهار يلهمهم المزيد من معرفة الله باختلاف الليل والنهار، فلا يتعبون من تسبيحه، لأن النظر الإيماني يعطيهم الطاقة والنشاط في كل ساعة. وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ترى المؤمنين يستقبلون يومهم بمثل هذا الدعاء الذي يعكس بصيرتهم التي ينظرون من خلالها إلى ظواهر الخليقة، يقولون
[اللَّهُمَّ يَا مَنْ دَلَعَ لِسَانَ الصَّبَاحِ بِنُطْقِ تَبَلُّجِهِ وَسَرَّحَ قِطَعَ اللَّيْلِ المُظْلِمِ بِغَيَاهِبِ تَلَجْلُجِهِ وَأَتْقَنَ صُنْعَ الفَلَكِ الدَّوَّارِ فِي مَقَادِيرِ تَبَرُّجِهِ وَشَعْشَعَ ضِيَاءَ الشَّمْسِ بِنُورِ تَأَجُّجِهِ] [١].
فالطبيعة تجليات لأسماء الله، والنظر إليها يهديهم إلى تلك الأسماء. ويعكس دعاء الإمام الحسين عليه السلام في يوم عرفة هذه المنهجية في تفكير أولياء الله حين يقول
[إِلَهِي عَلِمْتُ بِاخْتِلَافِ الآثَارِ وَتَنَقُّلَاتِ الأَطْوَارِ أَنَّ مُرَادَكَ مِنِّي أَنْ تَتَعَرَّفَ إِلَيَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى لَا أَجْهَلَكَ فِي شَيْءٍ]
[٢]. و إذا أشرق نور معرفة الله على قلب مؤمن انسحب منه ظلام الأغيار، فلا شيء ولا شخص يشارك الرب في القلب. يقول الإمام الحسين عليه السلام في الدعاء ذاته
[أَنْتَ الَّذِي أَشْرَقْتَ الأَنْوَارَ
[١] بحار الأنوار: ج ٨٤، ص ٣٣٩، من دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام.
[٢] بحار الأنوار: ج ٩٥ ص ٢٢٥.