من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٤ - فبشر عباد
باء: إنهم يمارسون التعقل والتفكر ليعرفوا أحسن الحديث، وبذلك يميزون بين الرديء والجيد وبين الحسن والأحسن، فلا يكتفون بمعرفة الجيد بل يسعون لمعرفة الأحسن وفق قيم العقل والوحي، ذلك أن أحسن القول هو الأصلح لدنياهم حسب هدى العقل والأنفع لأخراهم حسب هدى الوحي.
جيم: فإذا عرفوا الأحسن اتبعوه، ولم يبحثوا عن العلم للعلم بل للعمل، ولم يتعلموا العلم لينقلوه إلى غيرهم بل ليعملوا به أولا.
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ إنهما حجتان في حجة، حجة الوحي وحجة العقل، وهما تجليان لنور الله، الذي أودعه بقدر في ضمير كل بشر، وأنزله بهيا عبر رسالاته، وقد تجلى هذا النور في ضمير هؤلاء لأنهم اتبعوا أحسن القول، و هكذا هدى الله يتنزل على قلب من يسعى إليه ويتبعه، أولم يقل ربنا سبحانه وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: ٦٩]. وباطل أمنية أولئك الذين ينتظرون الهدى من دون سعي وجهاد.
وأستوحي من الآية فكرة أعَدُّها مفتاحا لغيب الكتاب الحكيم، وهي: أن كل كتاب ربنا حسن، إلا أن الناس يختلفون في مدى الانتفاع به، فبعضه بالنسبة إلى البعض أحسن من غيره لحاجته الملحة إليه، و مثل القرآن مثل أنواع الطعام متشابه في فائدته وروعته ولذته إلا أن الناس يختلفون في انتفاعهم به. فمثلا: آيات الجهاد تتجلى في عصر التحديات أكثر من آيات الصبر، بينما تتجلى آيات الإنفاق للأغنياء بقدر تجلي آيات العفاف للفقراء.
ومعرفة الظروف الاجتماعية والشخصية تكون بالعقل، فهو ليس دليلا مستقلا بين الأدلة الشرعية بالإضافة إلى الكتاب والسنة والإجماع، بل هو النور الذي يعرف به الكتاب، وبه نميِّز السنَّة، وبه نثق بالإجماع، فلولا العقل كيف نهتدي إلى معاني الكتاب، وكيف نصدق أو نكذب بالرواة الذين نقلوا إلينا السنَّة، وكيف يعكس الإجماع لنا السنَّة؟
[١٩] وبعكس المؤمنين، فإن غيرهم حين استسلم لضلالة الطاغوت حقت عليه كلمة العذاب حين أضله الله، وسلبه هدى عقله بعد أن أساء التصرف معه. أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ وأضله الله وألزمه التيه لأنه لم ينتفع بعقله ولم يتبع هدى ربه. أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ إنه لا يتخلص من النار أبدا، لأن وسيلته الوحيدة للإنقاذ رحمة الله وهو محروم منها.
[٢٠] ذلك كان جزاء الذين اتبعوا الطاغوت. أما الذين اتقوا في الدنيا فهم يحبرون في الجنة. لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ وهي البيوت المرتفعة. مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مما يشبه العمارات المبنية بإتقان ذات طوابق عديدة مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ والذي يضمن هذا