من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠١ - وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا
[١٦] ولكن هذا الجحود، وذلك الاستكبار، سبَبٌ في إرسال العذاب المهين عليهم، متمثلا في ريح عاصفة ذات صوت وصرير .. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً وتلك هي المعادلة الحاكمة في الخلق، من لم يستجب طوعا لرسول الرحمة والإنذار، يستجيب كرها لرسل العذاب والعاصفة .. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً لم يكن فيها ذرة من السعد .. لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ هكذا كان العذاب في الدنيا مخزيا مهينا، لأنهم كانوا يستكبرون ويتجبرون، وأما العذاب في الآخرة فهو أعظم خزيا، وأبقى ألما. وإن شدة عذاب الله في الدنيا، وهول وقعه على الكافرين، تهدينا إلى أمرين
أولًا: هول عذاب الله في الآخرة، وتناهي شدته بما لا يمكننا تصوره.
ثانياً: صرامة سنن الله وكيف تدمر الذين يكفرون بالله شر تدمير، بلى، لقد جاءت السماء والأرض لربها طوعا قبل أن يؤتى بهما كرها، فهلا نأتي ربنا طائعين من قبل أن تذهب بنا ريح صرصر عاتية؟!.
[١٧] وَأَمَّا ثَمُودُ فقد بعث الله إليهم الأنبياء، وزودهم بالآيات المبصرة، ومن عليهم بالهداية .. فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى لقد بعث الله إليهم صالحا فآمنوا به، ولكنهم انحرفوا بعدئذ عن طريق الرشاد. بلى، إن الطريق كان واضحا أمامهم، والحقيقة ظاهرة كالشمس في كبد السماء، ولكنهم أغمضوا أعينهم، وقالوا: نحن لا نرى، فماذا كان مصير كفرهم بعد الإيمان؟ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ نزلت عليهم- كما نزلت على عاد- صاعقة العذاب، المشبعة بالخزي والإهانة، والسبب واضح بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ لا لضآلة في مغفرة الله، لأنها أعظم من ذنوبهم، ولا لضيق في رحمته، لأنها وسعت كل شيء، ولكن لأنهم أبعدوا أنفسهم عن الرب الرؤوف الرحيم بما اجترحوه من سيئات.
و نستوحي من هذه الآية أن كفر ثمود يختلف عن كفر عاد، فعاد كفروا بكل شيء، رأسا، وأما ثمود فآمنوا بالرسول والرسالة، ولكنهم فعلوا ما يتناسب والكفر، من عقر الناقة، ومخالفة أوامر الرسول فيما يتعلق بها، فما كسبوه كان خاطئا. ولهذا يقول الله سبحانه فَهَدَيْنَاهُمْ أي اهتدوا فكريا ونظريا فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى أي انحرفوا عمليا وسلوكيا، وهذا يُعَدُّ عمى، كالذي زوده الله بالبصر، ولكنه لا ينتفع به فيقع في الحفرة. ومن هنا نعرف أن عذاب الله يقصم ظهر من يخالف سننه في الخليقة التي تكشفها أحكامه في الشريعة، سواء آمن بها وخالفها، أم كفر بها رأسا، فالذي يناطح الصخرة ينفلق رأسه سواء آمن بهذه الحقيقة أو كفر بها. وفي ذلك تحذير لأمة النبي محمد صلى الله عليه واله أن مخالفتهم لرسالته نظريا أو عمليا تجر إليهم الويلات.