من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٤ - قل لله الشفاعة جميعا
والغنى والشهرة أن ميزته في الدنيا تستمر إلى الآخرة. بل إنه يأتي ربه يومئذ فردا فقيرا مغمورا، ولا يزعم الواحد منهم كما زعم صاحب الجنتين إذ قال لصاحبه وهو يحاوره مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنقَلَباً [الكهف: ٣٥- ٣٦].
الثاني: أنهم الذين يزعم البشر أن باستطاعته التهرب من المسؤولية بسببهم، وذلك بإلقاء مسؤولية ضلاله وانحرافه عليهم، كأن يلقي بمسؤولية انحرافه وضلاله على والديه، أو السلطات الحاكمة، أو المجتمع.
ولكن الله ينسف فكرة الشفاعة عموما فيقول قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً كالنفع والضر أو الموت والحياة، أو أقل من ذلك. لأن الملك كله لله عز وجل. وَلا يَعْقِلُونَ لأنهم لو كانوا يعقلون لم يكونوا ليأمروا بما يخالف رضى الله تعالى. فهم إذن لا قوة لهم ولا علم. ومن يكون هكذا لا يكون شفيعا.
[٤٤] إن الشفيع الحقيقي هو الله الذي بيده ناصية كل شيء، وإذا كان ثمة آخرون فإنما يشفعون بإذنه. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً فإذا أراد البشر أن يفر من عذاب الله، فليهرب إليه تعالى، فليس من ملجأ منه إلا إليه كما قال ربنا فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ وكلنا يخشى من ذنوبه ولكن لن نجد غافرا للسيئات التي احتطبناها سوى الله. ومن عادة البشر أنه إذا أذنب ذنبا حاول تبريره، أو اخترع لنفسه شفيعا يزعم أنه سوف يخلصه من ذنبه، والله يقول: لا، لماذا تذهب هنا وهناك؟! تعال إليَّ، حتى ولو كنت مذنبا تعال، فأنا الذي أخلصك من الذنب، لا أولئك الشفعاء، ولا تلك التبريرات. لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فالله هو الشفيع حقا، لأنه هو السلطان في السماوات والأرض، فهو الذي يدبر الأمور اليوم وإليه المصير حيث السحاب الدقيق والجزاء الأوفى.
[٤٥] وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، ويحاولون التهرب من المسؤوليات، ويعرفون أنه إذا كانت الآخرة أمرا واقعيا فإنهم سوف يحملون عبء الأمانة، لكل ذلك تراهم يشمئزون فحربهم لفكرة الآخرة إنما هي بدافع نفسي، فهم لا يحبون القيامة لأنهم لا يحبون المسؤولية، والمثال على ذلك: إذا قيل لمجرم: جاء الشرطة يشمئز قلبه، لماذا؟ لأن الشرطة سيأخذونه إلى المحكمة، ومن ثم الجزاء العادل، وأما الرجل المظلوم، الذي يسمع وهو بين يدي من يظلمه، أن جاء الشرطة تراه يحمد ربه، لماذا؟ لأنه سوف يتخلص من يد الظالم .. و هكذا المؤمنون يشتاقون إلى الآخرة، لأنهم يعرفون أن هناك الجزاء الأوفى لحسناتهم، بينما الكافرون تشمئز قلوبهم، إذا ذكر الله وحده،