من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٥ - قل لله الشفاعة جميعا
لأنهم يفتشون عن إله يخلصهم من رب السماوات والأرض، ويخلصهم من ذنوبهم وسيئاتهم.
وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ فإذا كانوا يتحدثون عن الآباء، والقيم الفاسدة، والشفعاء الموهومين، فإنهم يرتاحون نفسيا. وتجد هذه الآية تطبيقها في كل إنسان، خصوصا في العالم المتخلف، حيث لا نحب نحن البشر الاستماع إلى من يحدثنا عن مسؤولياتنا، أما إذا تحدثوا إلينا عن تبرير وضعنا الفاسد وإلقاء المسؤولية على الدول أو على الخطوط، أو على القضاء والقدر، فإننا نستمع مرتاحين، والسبب هو أن مثل هذا الكلام لا يحملنا المسؤولية.
[٤٦] وفي مواجهة هذا الانحراف الكبير والضلال البعيد يتوكل المؤمن على الله ويدعوه ضارعا ليثبت فؤاده حتى لا يتأثر باشمئزازهم من ذكر الله، وفي ذات الوقت يتحداهم بالمزيد من ذكر ربه. قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ حين ينشق شيء يقال انفطر، والله شق العدم بالخلق فإذا بالسماوات والأرض تخرجان من ضميره. ومن معاني الانفطار أن السماوات والأرض لم تكونا فكانتا مرة واحدة، فأبدعهما من غير مثال يحتذي به، ومن معانيه أنهما كانتا رتقا ففتقهما بقدرته. أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ إن تعميق الإحساس برقابة الله في نفس الإنسان، وأنه هو الحاكم بين عباده، يجعله لا يعصيه، لأنه لا يمكن له الكتمان عليه أو الكذب عليه يوم القيامة. وإذا كان هو الحاكم بين عباده فما هو دور الشركاء الذين يتخذ منهم الكافر شفعاء، ويتشبث بهم هربا من المسؤولية؟! علما بأن محكمة الله آنئذ تحكم بين الناس بالحق. فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فهنالك الكلمة الفصل، التي لا ريب فيها، ولا تلبيس، ولاتحيط بها ضلالات الهوى، وتبريرات الشهوات، وكلما تفكر الإنسان في ذلك اليوم، وفي ميزان الحق الذي ينصب فيه، تباعد عن محورية ذاته، وتحصن ضد قسوة القلب وانغلاقه دون فهم الحقائق.
[٤٧] فمن كفر بالله وظلم نفسه أو الناس هلك ولا تنفعه ثرواته شيئا. وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وفي آية أخرى يقول الله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَلَوْ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: ٩١]. بلى، قد يبيع المرء نفسه بثمن بخس فيشتري جهنم بغيبة أو بكذبة، وما أبخس هذا الثمن إذا كانت النار عاقبته! وهكذا يهون علينا القرآن شأن الدنيا حتى لا تخدعنا زخارفها ولو كانت الأرض كلها بأيدينا فهي تعف عنها أنفس المؤمنين بالآخرة، لأن عذابها لا يزول بافتداء كل الأرض ومثلها معها، فما شأن بيت معمور فيها أو زوجة حسناء أو منصب بسيط؟!.