من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٦ - قل لله الشفاعة جميعا
وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ لأن كتابهم آنذاك لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها مما لم يكونوا يتوقعونه ولم يحتسبوا أن الأمر بهذه الدقة وبهذه الجدية، وفي الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام قال
(اتَّقُوا المُحَقَّرَاتِ مِنَ الذُّنُوبِ فَإِنَّ لَهَا طَالِباً يَقُولُ أَحَدُكُمْ أُذْنِبُ وأَسْتَغْفِرُ إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ
وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ
وقَالَ عَزَّ وجَلَّ
إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) [١]. ويبدو من خلال الآية أن الإنسان قد يتصور أن مجرد ذنوبه البسيطة قد لا تسبب له دخول النار، ولكن الحقيقة شيء آخر، إذ تجتمع الذنوب إلى بعضها حتى تكون كالجبل على قلبه. وفي الحديث عن الإمام أبى الحسن عليه السلام
(لَا تَسْتَكْثِرُوا كَثِيرَ الخَيْرِ ولَا تَسْتَقِلُّوا قَلِيلَ الذُّنُوبِ فَإِنَّ قَلِيلَ الذُّنُوبِ يَجْتَمِعُ حَتَّى يَكُونَ كَثِيراً وخَافُوا اللهَ فِي السِّرِّ حَتَّى تُعْطُوا مِنْ أَنْفُسِكُمُ النَّصَفَ) [٢].
[٤٨] وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا فالسيئات التي مكروها في الحياة الدنيا بدت لهم على حقيقتها. إذ إن النفس الأمارة والشياطين من الجن والإنس كل أولئك يزينون للبشر سيئات أعماله، حتى تختفي ظاهر سوءاتها وتبدو لهم أنها حسنات، و ذلك بإظهار حسناتها، بيد أنها في القيامة حيث تبلو السرائر تظهر سيئات أعمالهم التي اكتسبوها.
وقد تشير الآية إلى تجسد الأعمال، حيث تصبح السيئات عقارب وحيات ونيران ملتهبة، والدليل على ذلك قوله تعالى وَحَاقَ بِهِمْ أي أحاط بهم. مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون فالرسالة ذاتها التي استهزؤوا بها أهلكتهم، فالقرآن في يوم البعث يقود من اتبعه هنا إلى الجنة هناك، و يسوق من تولى عنه هنا إلى النار هناك. وهكذا كل رسالات الله.
[٤٩] ويمضي السياق قُدُماً في بيان أن الثروة ليست قيمة مطلقة لأنها ليس فقط لا تغني شيئا عن عذاب الله في الآخرة، بل ولا عن بلائه في الدنيا حينما تحيط بالإنسان الضراء فتراه يدعو ربه، ولكنه لا يلبث أن ينسب النعم إلى ذاته، ويزعم بأنه إنما حصل عليها بعلمه. كلا إنها من عند الله ولكنها ليست دليلا على كرامته عنده، بل هي مجرد فتنة يمتحن الله بها خلقه.
فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ وهذه الآية تكمل الآية الثامنة من هذه السورة، حيث إن الإنسان هناك نسب النجاة إلى الأنداد بينما هنا نسبها إلى نفسه، والفرق واضح، ففي المرة الأولى ألهَّ غيره، وفي الأخرى أله نفسه، واعتقد أن ما خوَّله الله به من نعمة إنما هو من ذاته. ولان السياق هناك كان في مقام نفي الأنداد فقد
[١] الكافي: ج ٢ ص ٢٧٠.
[٢] بحار الأنوار: ج ٧٠، ص ٣٤٦.