المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٩٥
العقلية قد يؤخذ عن الصورة الموجودة كما يستفاد من السماء بالرصد و الحس صورتها المعقولة. و قد لا يكون الصورة المعقولة مأخوذة عن الموجودة، بل ربما يكون الأمر بالعكس كصورة بيت أبدعها البناء أولا في ذهنه ثم يصير تلك الصورة المعقولة محركة لأعضائه إلى أن يوجدها فليست تلك الصورة وجدت فعقلت بل عقلت فوجدت.
إذا تمهد هذا، فنقول: لما كانت نسبة جميع الأمور إلى الله تعالى كنسبة المصنوع إلى نفس الصانع- لو كانت تامة الفاعلية-، فقياس عقل واجب الوجود للأشياء هو قياس أفكارنا للأمور التي نستنبطها ثم نوجدها من حيث إن المعقول منها سبب للوجود.
و الفرق بأنا لكوننا ناقصين في الفاعلية، نحتاج في أفاعيلنا الاختيارية إلى انبعاث شوق و استخدام قوة محركة و استعمال آلة تحريكية و انقياد مادة لقبول تلك الصورة.
و الأول تعالى، لكونه تام الفاعلية غنيا عما سواه، لا يحتاج فاعليته إلى أمر خارج، بل" إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" فإنه يعقل ذاته و ما يوجبه ذاته، و يعلم من ذاته كيفية الجزئية في الكل فيتبع صور الموجودات الخارجية الصور المعقولة عنده على نحو النظام المعقول عنده، فالعالم الكياني بإزاء العالم الرباني، و العالم الرباني عظيم جدا، و العالم الرباني بإزاء العالم الربوبي، فالعالم الربوبي عظيم جدا.
و ربما يستدل على كون علمه تعالى بالأشياء بالصور الحاصلة في ذاته، بأنه تعالى يعلم ذاته و ذاته سبب تام للأشياء و العلم بالسبب التام للشيء يوجب العلم بذلك الشيء فذاته تعالى يعلم جميع الأشياء أزلا.
ففي الأزل إن لم يكن للأشياء وجود أصلا- لا عينا و لا صورة- لم يتحقق العلم بها، إذ العلم يستدعي التعلق بين العالم و المعلوم، سواء كان نفس التعلق و الإضافة، أو صفة موجبة لهما.
و التعلق بين العاقل و المعدوم الصرف محال لاستيجاب النسبة تحقق الطرفين بوجه، لكن يمتنع تحقق العالم في الأزل بالوجود الخارجي، و إلا لزم قدم الحوادث.
فبقي كونها موجودة بالوجود الصوري عند الباري قبل وجودها العيني لا بوجود مباين عن ذاته ليلزم المثل الأفلاطونية بل بوجودات قائمة بذاته تعالى، و هو المراد.