المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٣١
وقتا ما، و كيفية تجردها بذاتها و استقلالها بوجودها وقتا آخر، و سائر أحوالها، معدود من العوام الناقصين عند أهل العلم و الكمال، و إن كان أحكم بعض العلوم الجزئية. و بالحقيقة الجاهل بحقيقة النفس جاهل بحقيقة المعاد الإنساني، و كلا المعادين الجسماني و الروحاني جميعا، و جاهل بمعنى رجوع النفس إلى الله تعالى على ما وقع في القرآن الكريم.
و العجب من أكثر المنتسبين إلى العلم كيف قنعوا بمرتبة العوام و النساء و الصبيان، و لم يشتغلوا بالبحث عن حقيقة نفوسهم، و أنه كيف مآلها و إلى ما ذا يصير حالها، مع أنه فرض عليهم، و هم معطلين فيه، مشتغلين طول عمرهم بكثير من المسائل الفرعية، و بعض الخلافيات الفقهية التي ينقضي الأعمار من غير الاحتياج إليها، كأحكام الفروعات النادرة من الميراث و الطلاق و أحكام الشقوق و الاحتمالات البعيدة في الزراعات و المساقاة التي لا يقع واحد منها في أعمار طويلة مع وجود أشخاص في كل زمان يقوم بها.
و ليس هذه المسائل الخلافية فرض عين لأحد، بل كسائر الفروض الكفائية. ثم اعلم أن الاعتقاد في المعاد على هذه الوجه العامي جيد للجهال و العوام و من لا ينظر في حقيقة الأمور و لا يعرف المبادي اليقينية و لا الغايات الطبيعية الحقيقية.
و ذلك لأنهم إذا اعتقدوا هذه الرأي في المعاد، و تحققوا- هذه الاعتقاد يكون ذلك حثا لهم على عمل الخيرات و ترك عمل الشرور و اجتناب المعاصي و فعل الطاعات و أداء الأمانات و ترك الخيانات و الوفاء بالعهود و صحة المعاملة و النصيحة فيها، و حسن المعاشرة و خصال كثيرة محمودة من هذا القبيل.
و أما ما تدين به محققوا الحكماء و أفاضل المليين، فهو أن مع هذه الأجساد جواهر أخرى هي أشرف منها و أنور و ليست بأجسام بل جواهر مجردة يسمى أرواحا و نفوسا، فلا يتصور عندهم أمر البعث و لا يتحققوا أمر القيامة إلا برد تلك النفوس و الأرواح إلى تلك الأجساد بعينها، أو أجساد أخر مثلها يقوم مقامها يحشرون و يحاسبون بما عملوا من خير أو شر.
فكما يفرق بالموت بين الأرواح و الأجساد، فعند الحشر و الإعادة يبعث من في القبور و يحصل ما في الصدور.
و هذا الرأي أجود و أقرب إلى الحق، و في هذا الاعتقاد منهم صلاح لهم و انتظام لغيرهم.
و أما من كان فوق هذه الطوائف في العلوم و المعارف و لرسوخه في العلم و ارتياضه بالحكمة،