المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٣
الحقيقي الأخروي باستعمال النواميس الشرعية و الآداب الدينية من الفرائض و النوافل بحسب جانب الفعل و جانب الترك، التي احتوت على جميعها الملة البيضاء المحمدية، على الصادع بها و آله أزكى الصلاة و السلام، و أطهر التحية على أجل مرتبة و أعظم درجة.
فمراتب النفس بحسب هذا الاستكمال منحصرة في نفس الكمال و هو العقل بالفعل و في استعداده قريبا كان كالعقل بالملكة أو بعيدا كالعقل الهيولاني.
فإذا حصلت للنفس المعقولات المكتسبة صارت من جهة تحصيلها إياها- و إن كانت غير قائمة بذاتها بالفعل- عقلا بالفعل، لأن له أن يعقل متى شاء من غير أن يستأنف طلبا، و ذلك لتكرر مشاهداتها للنظريات مرة بعد أخرى، و تكرر رجوعها إلى المبدإ الواهب و اتصالها به كرة بعد أولى، فحصلت لها ملكة الرجوع إليه و الاتصال به و صارت معقولاتها مخزونة فيه.
و إذا اعتبرت مشاهدة النفس لتلك المعقولات متصلة بالمبدإ الفعال سميت" عقلا مستفادا" لاستفادتها لها من الخارج، أي من العقل الفعال.
و الإنسان من هذه الجهة هو كمال عالم العود و صورته، كما أن العقل الفعال غاية عالم البدء و كماله، فإن الغاية القصوى في إيجاد هذا العالم الكوني الحسي و تمامه و كماله إنما هي خلقة الإنسان، و غاية وجود الإنسان أن يحصل له مرتبة العقل المستفاد، أي مشاهدة المعقولات و الاتصال بالمفارقات.
و أما خلقة سائر المكونات من الحيوان و الجماد و النبات فلشيئين: أحدهما انتفاع الإنسان بها و استخدامه لها، كما في قوله تعالى في انتفاعه من الحيوان:" أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ. وَ ذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَ مِنْها يَأْكُلُونَ"، و قوله تعالى:" وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ. وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ. وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً" إلى غير ذلك من