المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٦٣
و التشكيل و يبوسة حافظة لما أفيدت من التقويم و التعديل، فخلق البارىء بلطفه و جوده عناصر أربعة متضادة الأوصاف و الكيفيات، ساكنة بطبعها في أماكن متخالفة، بعضها فوق بعض بحسب ما يليق بطبائعها، مرتبة ترتيبا بديعيا منضدة نضدا عجيبا، حيث جعل كل مشاركين في كيفية واحدة فعلية أو انفعالية متجاورين.
فجعل النار لكونها أخف من أكل مجاورة للسماء، لما بينهما من مناسبة اللطافة و الضياء.
و جعل الأرض لكونها عكر الكل و ثقلها و أثقلها في غاية السفل و في أبعد المواضع من حركة الفلك ليكون مسكن المركبات الحيوانية.
و جعل الماء مجاورا للأرض، لكونه أشد مناسبة لها من جهة البرودة و الكثافة.
و جعل الهواء مجاورا للنار لكونه أشد مناسبة إياها من جهة الشفيف و الحرارة و الخفة.
ثم إنها لما خلقت بحسب طبائعها في أماكنها المختلفة المتباعدة فيما يشاهده من صيرورتها أجزاء المركبات المعدنية و النباتية و الحيوانية يدل على وجود الحركة المستقيمة الدالة بحسب المسافة الأينية على وجود جهتين محدودتين مختلفتين بالطبع لرجوع سائر الجهات الإضافية إليهما في حقيقتها.
و يدل اختلاف الجهتين على وجود محدد جسماني ذي وضع محيط بها ينتهي إليه الأصواب و الجهات و الأبعاد و النهايات، بحيث لم يكن وراءها صوب يمكن أن يتحرك إليه حتى يلزم أن يتحرك محدد الجهات إلى جهة فيكون الجهة لا جهة و الحركة لا حركة، و هذا ممتنع.
فذلك المحدد لزمه أن لا يختلف فيه الأبعاد و الجهات بأن يكون بعض جوانبه أبعد من آخر و بعض امتداداته أطول من بعض حتى يكون ما فرض منه جهة الفوق الحقيقي تحتا بالإضافة. هذا.
فلا محالة يكون الجسم المحدد لازم الكروية مستحيل الانفكاك عنها، و هو السماء.
فالحركة دلت من جهة المسافة على وجود السماء و تدل الحركة أيضا من جهة