المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٤٩
و إن كان المخير رزين العقل بهي النفس، استحقر لذة الطعام بالإضافة إلى ما ينال من لذة الرئاسة و الغلبة على الأعداء.
الرابعة أن كل قوة فإنما لها لذة إدراك ما هو قوة عليه إذا كان موافقا لها، و لكن يتفاوت اللذات بحسب تفاوت الإدراك و القوى المدركة و المعنى المدرك.
فكلما كانت القوى أقوى في نفسها و أشرف في جنسها كانت لذتها أقوى.
فإن لذة الطعام بحسب قوة شهوة الطعام، و لذة الجماع كذلك، و لذة العقليات أشرف في جنسها من لذة الحسيات، حتى اختار العاقل تلك على هذا.
و كذا كلما كان الإدراك أشد كان اللذة أتم، فلذة النظر إلى الوجه الجميل على قرب و في موضع مضيء أتم من لذته في إدراكه من بعد، لأن إدراك الشيء من القريب أشد.
و أيضا، كلما كان المدرك أتم في حقه كانت اللذة به و الألم منه أكثر.
الخامسة، و هي نتيجة المقدمات الماضية، أن اللذة العقلية أقوى و أشرف من الحسية لأنها لا تكون إلا في آلات جسدانية و إنما تفسد بإدراك مدركاتها إذا قويت. إذ لذة العين في الضوء، و ألمها في الظلمة. و الضوء القوى يفسدها. و كذا الصوت القوى يفسد السمع و يمنعه من إدراك الخفي بعده.
و المدركات العقلية الجلية تقوي العقل و تزيده نورا. و كيف لا و القوة العقلية قائمة بنفسها لا تقبل التغير و الاستحالة و القوة الحسية في جسم مستحيل؟
و أقرب الموجودات الأرضية إلى الأول و أشدها مناسبة هو القوة العقلية من الإنسان، كما سيأتي.
و أما إدراك العقل فإنه يفارق الحس من وجوده، إذ يدرك الشيء على ما هو عليه من غير أن يقترن به ما هو غريب له و ينال حاق جوهره و لب ذاته مجردة عن القشور و اللبوسات.
و أما القوة الحسية فلا تدرك إلا الخلطاء، و لا ينال إلا المشوبات بغيرها، فلا يحس باللون ما لم يحس معه بالطول و العرض و الأين و بأمور أخرى غريبة عن حقيقة اللون.
و العقل يدرك الأشياء كما هي و يجردها عن قرائنها الغريبة.
و أيضا، فإدراك الحس بتفاوت فيرى الشيء الواحد عظيما في القرب (عظيما في القريب، و صغيرا في البعيد، خ- ع ق) و صغيرا في البعد، و كلما صار أبعد يراه أصغر إلى أن يصير بسبب البعد كنقطة، ثم يبطل رؤيته. و كلما صار أقرب صار أعظم إلى أن يصير بسبب القرب كنصف