المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢١٩
و إن هذه النعمة تتم بوجود سبعة أملاك في الأقل فما فوقها.
ثم انظر كيف رتب للحيوان قوى أخر من مدركة و محركة، و زاد المزاج الأشرف الإنساني كلمة طيبة إذا أطاعت بأمر بارئها و كملت بالعلم و العمل صعدت إليه و شابهت المقربين من المبادىء و العلل.
و لو تدبرت تدبرا شافيا في كيفية تدبير النفس للبدن و حصول ألفة التدبير و التصرف و الشوق و التحريك و عشق المقارنة و ألم المفارقة بينهما- مع أن البدن كالثقل الكثيف و النفس كالنور اللطيف- لقضيت العجب و قلت كيف يتصور الازدواج بين النور و الظلمة و الايتلاف بين العلوي الذي قال الله تعالى تعظيما لشأنه" وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا" و قال" إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ."، و السفلي المشار إليه بقوله" إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ" إذ بينهما من المنافرة و المخالفة في الماهية ما لا يخفى على البرية.
فانظر كيف تلطف الخالق بحكمته التامة و أنعم بحسن عنايته العامة أن خلق البدن الكثيف من مادة النطفة، و من لطافته القلب الصنوبري، و من لطافته الدم الخالص، و من صفوته الروح البخاري التابعة في العضو الرئيس، التي هي في اللطافة و الصفاء كالفلك البعيد عن التضاد، و في التوسط بين الأطراف الخالي عنها المشابهة للسبع الشداد، فمن جهة صفائها و نقائها و نورها و ضيائها و بعدها عن التضاد الموجب للفساد يصير منزلا أولا للوارد العيني و الوليد النوري و المعسكر لقواه و المجند لجنوده و مرآة بها تدرك الصور الجزئية الموجودة كله، كما أن النفس مرآة تدرك الصور العقلية الكلية للحقائق، فبالمرآتين تدرك صور الكونين.
فإذن في الإنسان شيء كالملك و شيء كالفلك، فصار بهذين الاعتبارين مغرب العالمين و منتهى الإقليمين.
فانظر إلى القدرة و الحكمة، ثم إلى اللطف و العناية، ثم إلى المجد و الكرم تظهر لك عجائب الحضرة الربوبية.