المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٥
فإن كل من له أدنى تحدس، يجد أنه من لدن حدوثه و حداثته- إلى كهولته و شيخوخته، له انتقالات فطرية و تغيرات طبيعية يتوجه بها إلى ما هو الوجهة الكبرى مع قطع النظر عن تحصيله و اكتساب الكمالات و السعادات عقلا و شرعا و عن أضدادها من النقائص و الشقاوات أيضا كذلك.
و تلك الانتقالات و التغيرات هي بحسب الباطن و باطن الإنسان هو نفسه الناطقة التي لا قوام لها في ذاتها في أول تكونها بغير البدن الذي هو بمنزلة مركب لوجودها لغاية ضعفها و قلة قوامها في أول التكون و أول ما اقتضت النفس و توجهت إليه، هو تكميل نشأتها الحسية، و تعمير مملكتها و معسكر جنودها التي هي البدن و قواه، و جميعها تكون من أهل هذا العالم.
ثم إذا كملت هذه النشأة لها، و عمرت هذه المملكة، و قويت جنودها، أخذت في تحصيل نشأة ثانية لها، و توجهت إلى عالم آخر و منزل أقرب إلى بارئها و مبدئها، و هكذا يتدرج في تكميل ذاتها و تعمير باطنها. فكلما ازدادت في تقوية جوهرها المعنوي، نقصت في صورتها الظاهرية، و ضعفت قواها الحسية، و انكسرت جنودها التي هي أشخاص عالم الحسي، لعدم توجهها الطبيعي إلى جنسيتها، و قلة رغبتها الجبلية إلى تقويتها، لكونها في السفر و السلوك نحو عالمها الباطني و نشأتها الروحاني، فإذا انتهت في سيرها إلى عتبته باب من أبواب الآخرة التي يكون عند الاحتضار، و هي نهاية السفر إلى الآخرة و بداية السفر فيها، عرض لها الموت في هذه الدار، و هو عبارة عن الولادة في الدار الآخرة.
و قد مر أن نفس الإنسان ناقصة في أول تكونها كالجنين، فتربى و تتكمل في هذه النشأة، كما يتربى الجنين في بطن أمه.
فثبت بهذه المقدمات، أن الموت طبيعي للنفس، و كل طبيعي لشيء خير و تمام، فكل خير و تمام فهو حق له، فالموت حق للنفس الناطقة.
فأما الهلاك و الفساد الذي يطرأ البدن، فإنما له بالعرض لا بالذات، فهو من باب الشرور الواقعة بالعرض لأجل رعاية جانب النفس، لكونها أشرف من البدن.
فالعدالة الإلهية يقتضي رعاية ما هو الأشرف و الأفضل، و هو النفس التي يكون موت البدن حياتها و تمامها.
على أنك لو نظرت حق النظر إلى البدن بما هو بدن، لعلمت أن إنيته و ذاته إنما يكون