المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٦٢
شهود الحق و عبادته و عرفانه. أعم من أن يمكنه ذلك بالتركيب كمادة خلقة الإنسان، أولا بل خلق للتركيب و الخدمة كغيره من المركبات.
فإن الممكن لم يخلق عبثا و هباء، بل لأن يكون شاهدا لوجوده تعالى، كما أشير إليه في الكتاب الإلهي بقوله:" أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ".
و بالجملة الأجسام العالية صنفان: صنف مختص بقبول صورة واحدة لا ضد لها فيكون حدوثها عن البارىء على سبيل الإبداع، لا على سبيل التكون من جسم آخر، و فقدها على سبيل الفناء المحض لا على سبيل الفساد إلى جسم آخر.
و هذا هو المراد من قول الحكماء الأقدمين، كأفلاطون و غيره، من" أن الأفلاك خلقت من لا شيء". و قد صرفه العوام من المتفلسفة إلى غير معناه و أمضوا في الإلحاد و أطلقوا القول بقدم العالم.
و الصنف الثاني متهيئ لقبول صورة بعد أخرى.
فتارة تقبل هذه بالفعل و تلك بالقوة، و تارة بالعكس. فجعلوا الأجسام بعضها أثيرية و بعضها عنصرية بالقسمة العقلية. و سيجيء بيان أن الجسم الأثيري، و هو الذي لا يتأتى منه الامتزاج و التركيب، أشرف الأجسام و أتقنها و أبدعها وجودا، و أعلاها و أنورها و أصفاها كيفية، و أفضلها شكلا، و أسرعها حركة، و أدومها و أبقاها حياة، و أشدها قوة.
فإذا تمهدت هذه المقدمات و الأصول فلنرجع إلى الفصول.
الفصل الأول فيما يدل على الأجسام السفلية العنصرية
فنقول: وجود الأجسام التي تحت مقعر فلك القمر معلوم لنا بالمشاهدة، و هي قابلة للتركيب كما ركبنا الماء بالتراب و حصل منه الطين.
و أما خلق المركبات التامة التي لا يتأتى إلا بقدرة الله فلما لم يتم إلا بكيفيات فعلية و انفعالية لا بد لها من حرارة مبددة محللة و برودة جماعة مسكنة و رطوبة قابلة للتخليق