المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٩٤
شريف و إن كان دونه في الشرافة.
فقد صح أن كل مبدإ عال يعقل نظام الخير الصادر منه، تبعا لتعقله ما لأجله الفعل أو الحركة و ما يتشبه به و يتشوق إليه فيه.
و معلوم أن خلقة الحيوان و النبات و غيرهما قد روعيت فيها من الحكم و المصالح ما لا يفي ببيان تفاصيلها مجلدات كثيرة.
فتحقق أن عناية الله تعالى مشتملة على الجميع على نحو تفصيلي و لا يكتفي بالعلم الإجمالي كما ظن بعضهم.
فالحق في تحقيق عناية الله تعالى ما بيناه في الأسفار الأربعة.
و الإشارة إليه هاهنا هي أن كل وجود له خصوصية معنى لازم له، من غير جعل يتعلق به بالذات، بل جعله تابع لجعل ذلك الوجود إن كان مجعولا، و ذلك المعنى هو المسمى عند أهل الله بالعين الثابت. و عند الحكماء بالماهية. و عند بعض العرفاء بالتعين.
و ليس هو موجودا بل الموجود هو الوجود و ذلك المعنى كأنه عكس لذلك النحو من الوجود و حكاية عنه.
و الوجودات في ذاتها لا تختلف بالذات إلا بالشدة و الضعف و الكمال و النقص و التقدم و التأخر.
و تختلف بالعرض بتلك المعاني التابعة للوجودات و هي ماهياتها المختلفة.
و بهذا المعنى وقع في كلام المشائين- أتباع المعلم الأول- أن الوجود حقائق متخالفة، مع تصريحهم بأنه معنى واحد بسيط مشترك في الجميع.
ثم إن كل وجود يكون أقوى و أكمل يحيط بالوجود الذي يكون أضعف و أنقص و يتقدم عليه و يكون علة له و يكون آثاره أكثر و صفاته أكمل حتى أن كل كمال و صفة و فعل يكون في الوجود المعلولي فقد كان في وجود العلي على وجه أرفع و أعلى و أكثر.
فعلى هذا يثبت و يتبين أن الوجود الحق الواجب الذي لا أشد منه و لا أتم يحيط بجميع الوجودات الناقصة الإمكانية و لوازمها و توابعها و لواحقها، و ينبعث منه جميع النعوت و الصفات الوجودية و الأحكام و الآثار الكمالية على وجه يليق بعظمته و جلاله من دون تكثر و تغير و نقص، و بالجملة، جهة مكانية، لأنها من لوازم نقصانات الوجود و قصوره،