المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٢
البرهاني و الحد التام فيكون بلا إرادة و اختيار من الإنسان، بل بتأييد من نور الحق الأول الذي به ينور السماوات و الأرض و ما فيهما من العقول و النفوس و سائر المدارك الجزئية.
فيكون حينئذ حال العلوم الاكتسابية حال أوائل العلوم الحاصلة على سبيل اللزوم بلا حجة.
و كما أن في الفطريات لو سأل سائل" لم" كان هكذا" لم يكن جواب، كذلك هاهنا إذا سأل" لم كان القياس الصحيح أو الحد الصحيح يوجب علما" لم يكن جواب، بل المبدأ الإيجابي في جميع ذلك هو المبدأ الأعلى بتوسط بعض الملائكة الذين ليس فيهم شوب قوة و إمكان، فلا لمية لفعلها خارجة عنها.
و ذلك لأن الأفكار البرهانية و الحدسية هي المعدات، فبعد أن يحصل ملكة الاتصال بالمفارق و الوصول إلى المعاني العقلية و الواردات القلبية يكون وجودها عبثا، بل مخلا، لأنها أعراض و العرض لا يوجد شيئا، و كم من شخص إنساني عرض له مقدمات ما أفادته علما و أفادت غيره علما يقينيا و طمأنينة روحانية فهذه معدات و الواهب غيرها.
و ظهر من هذا أن العقل الهيولاني إذا صار عقلا بالفعل لم يكن معقولات الإنسان يحصل بسبب المقدمات الذهنية، بل من جهة المبادي العقلية.
فالشاهد له في العقائد الحقة ذات الله تعالى و ذات الملائكة المقدسين الذين هم روابط فيضه كما في قوله تعالى:" شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ".
و هذا معنى بعض العارفين حيث قال:" عرفت ربي بربي، و لو لا ربي ما عرفت شيئا".
و قول الجنيد حين سئل بم عرفت ربك فقال بواردة ترد على القلب فتعجز النفس عن تكذيبها.
و أما الأفعال البدنية فما يحصل منها الأخلاق الجميلة و ما يؤدي إلى السعادة الحقيقية و يجنب عن الرذائل القبيحة و ما يوجب الشقاوة السرمدية و التعوق عن الخير و الكمال