المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٤٠
و قد يستفاد الصحة من قصده إياها.
قلت: مفيد الصحة مبدأ أجل من الطبيب و قصده، و هو واهب الكمال على المواد حين استعدادها و القصد مطلقا مما يهيىء المادة، و المفيد دائما شيء آخر أشرف من القاصد فالقاصد يكون فاعلا بالعرض لا بالذات.
فإن قلت: كثيرا ما يقع القصد إلى ما هو أخس من القاصد و قصده.
قلت: بلى و لكنه على سبيل الغلط و الخطاء أو الجزاف.
فإن قلت: فلو لم يكن للواجب غرض في الممكنات و قصد إلى منافعها، فكيف يحصل منه الوجود على غاية من الاتقان و نهاية من التدبير و الأحكام؟
و لا يمكن لنا أن ننكر الآثار العجيبة الحاصلة في العالم من كون الأشياء على وجه يترتب عليها المصالح و الحكم، كما يظهر بالتأمّل في آيات الأنفس و الآفاق و منافعها التي بعضها بينة و بعضها مبينة، و قد اشتملت عليه المجلدات كوجود الحاسة للإحساس و مقدم الدماغ للتخيل، و وسطه للتفكر، و مؤخره للتذكر، و الحنجرة للصوت، و الخيشوم لاستنشاق الهواء، و الأسنان للمضغ، و الرية للتنفس، و البدن للنفس، و النفس لمعرفة البارىء جل كبرياؤه، إلى غير ذلك من منافع حركات الأفلاك و أوضاع مناطقها و منافع الكواكب، سيما الشمس و القمر مما لا تفي بذكره الألسنة و الأوراق، و لا يسع لضبطه الأفهام و الأذواق.
قلت: و إن لم يكن لفعله علة غائية خارجة عن ذاته و لا لمية مصلحية مباينة من المنافع و المصالح التي نعلمه أو لا نعلمه، و هو أكثر بكثير مما نعلمه، و لكن ذاته تعالى، ذات لا يحصل منها الأشياء إلا على أتم ما ينبغي و أبلغ ما يتصور في المنافع و المصالح، لأن ذاته منبع الخيرات و منشأ الكمالات، فيصدر منه كل ما يصدر على أقصى ما يتصور في حقه من الخير و الكمال و الزينة و الجمال، سواء كان ضروريا له كوجود العقل للإنسان و النبي للأمة، أو غير ضروري كإنبات الشعر على الأشفار و الحاجبين و تقعير الأخمصين على القدمين.
بل نقول: غاية كل علة لما بعدها سبيله، كما مرت الإشارة إليه، هذا السبيل، من أنها لا يجوز أن تعمل عملا لأجل معلولها، و لا أن تستكمل بما دونها، اللهم إلا بالعرض لا بالذات، و لا أن تقصد فعلا لأجل المعلول، و إن كان يعلمه و يرضى به.
و كما أن الأجسام الطبيعية من النار و الماء و الشمس و القمر إنما يفعل أفاعيلها من