المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ١٦٩
فإن العالم عكس جماله و جلاله و حكاية حسنه و كماله و أن الحق واحد بذاته له تجل واحد في مجال متكثرة. و أن أوصافه و نعوته على نهج واحد، و أفعاله و آثاره على سنة واحدة من جميع جهاته." وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا*"." لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ و لا راد لقضائه." و مع هذا فإن المعرفة بكل شيء أفضل من الجهل به. و أنه ليس شيء من العلوم و المعارف خليقا بالجهل، و إن كان" الناس أعداء لما جهلوا.".
و ليعلم أن مقتضى العقل الصريح لا ينافي موجب الشرع الصحيح، و ليس شيء من الموجودات الإلهية و الطبيعية إلا و له خاصية ذاتية، و لوجوده حكمة عظيمة، و سر غريب لا يوجد في غيره لكن الناس لا يتعجبون مما يتكرر مشاهدتهم إياه و أخذوا، يتعجبون من النوادر و إن كان المتكرر أجل حكمة و أعظم أمرا و أعجب فعلا من النادر. و لذلك يحرك الإنسان في الجهات التي يخالف جهة حركته التي بحسب طبيعة بدنه بمجرد إرادة نفسه الناطقة التي هي جوهر- ملكوتي من عالم الأمر [و] ليس معدودا عندهم من العجائب، و صاروا يتعجبون من جذب حجر المغناطيس مثقالا من الحديد.
قال الشيخ في بعض رسائله:" و العجب من بعض الجهلة من الطبيعيين و من تشبه بهم حيث يأخذون في طلب السبب في فعل الطبيعة التي لبعض المركبات، مثل الطبيعة التي للسقمونيا في إسهال الصفراء و الأقيمون في إسهال السوداء و الطبيعة التي في حجر مغناطيس الموجبة لجذب الحديد. ثم صاروا يتعجبون من صدور هذه الآثار و الأفاعيل منها و لا يتعجبون من النار كيف تفرق المجتمع و كيف تحيل أجساما كثيرة إلى مثل طبيعته في ساعة. و لا يشتغلون بالبحث عن علته. و غاية ما يجيبون عنه إذا سئلوا عن ذلك أن يقولوا: لأن النار حارة. ثم السؤال لازم في أن الحار لم تفعل هكذا: فيكون منتهى الجواب للطبيعيين أن يقال: إن الحرارة قوة من شأنها أن تفعل هذا الفعل.
ثم إن سئلوا بعد هذا أنه لم كان هذا الجسم حارا دون البارد لم يكن جوابهم إلا الجواب الإلهي" أن إرادة الصانع هكذا". و لا يقنعون بهذا الجواب في جذب المغناطيس الحديد إذا اشتغلوا بالبحث عن علته من أن في المغناطيس قوة جاذبة للحديد، و أن سبب وجودها إرادة الصانع. و ليس هذا الجواب قاصرا عن الجواب الأول.
لكن القوم تعجبوا عما استندروا وجوده و ألهاهم التعجب البحث عن علته و لم يعرض