المبدأ و المعاد - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٧
و تمامها إنما هو وجود العقل الفعال و اتصالها به و اتحادها معه، فإن ما لا وصول لشيء إليه بنحو من الاتحاد و ضرب من الاتصال لا يكون هو غاية لوجود ذلك الشيء، و كأنا قد أومأنا في ذلك إلى نبذ من البيان يكفي لأهل العرفان، و إن استشكل الأمر على أحد من جهة أن شيئا واحدا كيف يكون مبدءا فاعليا لشيء متقدما عليه و غاية ذاتية لاحقة به بعد مراتب تصعداته في الوجود و ترقياته في الكون فعليه أن ينظر في ما حققناه، و يسلك الطريق الذي سلكناه في أسفارنا الإلهية و رياضاتنا القدسية، حيث عرفنا بنور البرهان و شهود العيان، أن المبدأ الأعلى له الأولية و الآخرية لأجل انبساط وحدته الحقة و شمول هويته الإلهية التي هي فاعل الهويات و جاعل الإنيات و ثمرة الوجودات و غاية الخيرات لأن وحدة الحقة ليست كسائر الوحدات التي يحصل بتكررها الأعداد، فلا ثاني لوحدته، كما لا مثل لوجوده، بل أحديته الصرفة سارية في الكثرات و وحدته الحقة نافذة في مراتب الموجودات جامعة لأنحاء الهويات شاملة لأطوار الإنيات كما قال مولانا أمير المؤمنين، ع" مع كل شيء لا بمزاولة، و غير كل شيء لا بمزايلة" فلأجل سعة رحمته و شمول وجوده لا يأبى وجوده الابتدائي وجوده الانتهائي، فمنه ينشأ الموجودات في الابتداء و إليه ينتهي الإنيات في الانتهاء، فكذلك وحدات الأنوار القاهرة العقلية ظلال لوحدته القيومية، لأن العقول الفعالة ليست إلا شئونه الإلهية و تجلياته القيومية، فوحدتها أنموذج لوحدة الحق، و لهذا صارت وسائط ظهور الأشياء من المبدإ الأعلى و وسائل رجوع الموجودات إلى الله تعالى.
ثم إنه لا شك أن النظر في العقل الفعال من حيث وجوده في نفسه إنما يليق بالإلهيات، و قد ثبت إثبات ذلك بالبرهان و ليس النظر فيه الآن من حيث ذاته بل من حيث كونه كمالا للنفس و تماما لها و من جهة تأثير النفس به و انفعالها عنه و البرهان على وجوده في النفس، أن نفس الإنسان في أول صباه بالقوة في الكمال العقلي و الوجود المفارقي و إن كانت بالفعل في كونها صورة و كمالا للجسم الطبيعي الآلي ذي الحياة بالقوة من جهة الأفاعيل البشرية و التدابير الإنسانية، ثم يصير بالفعل في تصوير الحقائق و إفاضة العلوم و تدوين المسائل و ترتيب السياسات العقلية و الناموسية، و كلما خرج من القوة إلى الفعل، فلا بد له من أمر به يخرج إلى الفعل، و هذا أيضا لا بد له من سبب يخرجه إلى الفعل إن لم يكن مفطورا على الكمال العقلي مقدسا عن شائبة القوة و النقص